تفكيك – خاص
في لقاء دبلوماسي أحيط بجرعة عالية من الرسائل العسكرية والسياسية، ألقى رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، خلال لقائه بالسفيرة البريطانية عبدة شريف، مجموعة من المواقف الحازمة التي تجاوزت البروتوكولات التقليدية. خطابٌ حمل في طياته محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي بشأن ملف الصراع مع جماعة الحوثيين، والتصعيد في البحر الأحمر والساحل الغربي.
فما هي أبرز الرسائل التي حاول الخطاب إيصالها؟ وكيف يمكن تفكيك مضامين هذا التصريح؟
1. تفكيك نقد “منطق الاحتواء”: هجوم صريح على السياسات الدولية
أبرز ما جاء في كلمة العليمي كان التحذير المباشر من استمرار التعامل مع الحوثيين بـ “منطق الاحتواء”.
ماذا يعني ذلك؟يوجه العليمي انتقاداً ضمنياً واضحاً للنهج الدولي (الأمريكي والغربي) الذي ظل لسنوات يعتمد على سياسات التهدئة والحلول المؤقتة.
الرسالة الضمنية: التهدئة بدون منع إعادة التسلح هي مجرد “استراحة محارب” للجماعة لإعادة تنظيم صفوفها. تحاول الرئاسة اليمنية هنا إقناع الغرب بأن العودة إلى مربع الحل العسكري ودعم القوات الحكومية هو الخيار الوحيد المستدام، وليس الرهان على التفاهمات السياسية المفردة.
2. الساحل الغربي والشرعية الميدانية: تحويل “الأزمة” إلى “فرصة”
أشار الخطاب إلى أن التطورات الأخيرة في الساحل الغربي كانت “اختباراً صعباً”، لكنه اعتبر أنها تحولت إلى فرصة لـ “استعادة المبادرة وتوحيد الصف”
التفكيك السياسي: الاعتراف بوجود “اختبار صعب” يعكس ضخامة التصعيد الميداني الأخير؛ لكن ربط هذا التحدي بمناطق مثل تعز ومأرب والضالع يحمل رسالة رفع معنويات الداخل، وإيحاءً للشركاء الإقليميين والدوليين بأن القوات المناهضة للحوثيين تنزع نحو التماسك والعمل المشترك تحت مظلة الشرعية لمواجهة التهديدات المشتركة.
3. معادلة أمن البحر الأحمر: “دعم الشرعية استثمار عالمي”
ربط العليمي بين الأمن المستدام للبحر الأحمر وباب المندب وبين وجود دولة يمنية قوية تسيطر على سواحلها ومياهها الإقليمية.
الرسالة الموجهة للغرب: يستغل المجلس الرئاسي حالة القلق الدولي من تهديدات الملاحة الدولية في البحر الأحمر ليقول للشركاء الدوليين: “ضرباتكم الجوية أو تسيير الدوريات البحرية لن تحمي التجارة الدولية؛ الاستثمار الحقيقي والأقل كلفة هو تمكين القوات اليمنية الشرعية على الأرض لتبسط سيطرتها على السواحل”
4. الانتقال من “الإدانة” إلى “الإجراءات الزاجرة”
دعا رئيس المجلس الرئاسي المجتمع الدولي إلى الانتقال من بيانات الإدانة للدعم الإيراني إلى إجراءات عملية لتطبيق حظر السلاح وتجفيف شبكات التمويل والتهريب.
الأبعاد والدلالات: تشير هذه الدعوة إلى ضيق ذرع الحكومة اليمنية بـ “الدبلوماسية الناعمة” ومكتفيات مجلس الأمن والـ G7 بالبيانات الإنشائية، مطالبة بتفعيل آليات العقوبات والضغط المالي والعسكري الفعلي على شبكات الإمداد.
5. إعادة تثبيت التحالفات: الإشادة ببريطانيا والسعودية
لم يخلو الخطاب من البُعد التكتيكي في إدارة التحالفات:
بريطانيا: إشادة خاصة بـ “حاملة القلم” في مجلس الأمن (المملكة المتحدة)، لتثبيت دعمها السياسي وتوجيه استجابتها نحو الملفات الإنسانية والاحتياجات الأمنية.
السعودية: تأكيد على المحورية السياسية والاقتصادية للرياض، لإبراز وحدة الموقف بين المجلس الرئاسي والتحالف الداعم له، والتأكيد على حق الطرفين المشترك في ردع التهديدات وفق القانون الدولي.
يُمثّل تصريح رئيس مجلس القيادة الرئاسي محاولة لإعادة تموضع الشرعية اليمنية كشريك رئيسي وأساسي في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، وليس مجرد طرف في نزاع داخلي يُدار بالتهدئة. يسعى الخطاب للضغط على القوى الغربية للانتقال من إدارة الأزمة إلى حسمها عبر دعم المؤسسات الرسمية للدولة.