تحليلات

فخ المخا: هل تحول التوسع الحوثي من نصر استراتيجي إلى مأزق عسكري؟

في العاشر من سبتمبر 2026 سقطت المخا. كان المشهد، في ساعاته الأولى، يبدو كأنه حسم مسألة الساحل الغربي دفعة واحدة: مدينة استراتيجية وميناء مهم سقطا، القوات الحكومية تراجعت جنوبا، ووصل الحوثيون إلى مواقع وجزر تمنحهم حضورا مباشرا على باب المندب.
أكدت رويترز السيطرة على المخا استنادا إلى مصادر عسكرية حكومية، وقالت إن القوات المناهضة للحوثيين أعادت الانتشار جنوبا باتجاه ذباب، بينما امتد التقدم الحوثي نحو جزر البحر الأحمر.
لكن الخريطة بعد أقل من أسبوعين تبدو أكثر تعقيدا.
 فالحوثيون الذين عبروا السهل الساحلي بسرعة البرق لم يستطيعوا حتى إغلاق البحث تحقيق حسم مماثل في الحزام الجبلي الممتد من غرب تعز إلى لحج.
 في 21 سبتمبر أكدت خمسة مصادر عسكرية يمنية لرويترز أن مركز الثقل الحوثي انتقل إلى محاولة السيطرة على جبال كهبوب، وأن القتال يتركز كذلك في أطراف الوازعية ورأس العارة.
 وفي 23 سبتمبر أعلنت القوات الحكومية السيطرة على جبل قرفان في جبهة جرداد–بني عمر بين الشمايتين والوازعية؛ يتسق هذا الإدعاء مع صورة أوسع تشير إلى استمرار المواجهات على المرتفعات وعدم اكتمال تثبيت السيطرة الحوثية عليها.
الحكم المركزي: لا توجد أدلة كافية حتى الآن للقول إن التوسع الحوثي بلغ «نقطة الانهيار» أو أن خسارة المخا باتت حتمية.
لكن هناك أدلة قوية على أن العملية انتقلت من مرحلة كان فيها اقتصاد القوة لمصلحة المهاجم، سرعة، مفاجأة، انهيار خصم، حركة على محاور مفتوحة، إلى مرحلة أكثر كلفة تتطلب حماية مدينة وميناء وشريط ساحلي وجزر وطرق إمداد، وفي الوقت نفسه انتزاع مرتفعات يقاتل عليها خصم محلي أكثر تماسكا مما كان عليه المدافعون عن المخا.
بهذا المعنى، بدأت تظهر أعراض تمدد عملياتي زائد، ولم يثبت بعد حدوث التمدد الزائد نفسه. درجة اليقين في هذا الحكم: مرتفعة نسبيا.
المفارقة الأساسية هي أن الحوثيين كسبوا الساحل بسرعة أكبر من قدرتهم، حتى الآن، على تأمين الجبال التي تحميه.
 وإذا بقيت كهبوب والمرتفعات المتصلة بالوازعية وجرداد ومناطق غرب تعز متنازعا عليها، فسوف يظل الساحل مكشوف الظهر، وستتحول قيمة المخا من أصل استراتيجي خالص إلى أصل يحتاج باستمرار إلى قوات وإمدادات وحماية.
 أما إذا استطاع الحوثيون انتزاع هذه المرتفعات، وفتح خطوط إمداد مستقرة، وإدامة قوة كافية فيها، فإن الحديث عن «فخ المخا» سيتراجع بصورة كبيرة.
من 3 سبتمبر إلى المخا: كيف جرت المعركة؟
بدأ التحول الواضح في 3 سبتمبر. شهدت مقبنة والكدحة والوازعية قصفا واشتباكات ومحاولات تقدم متزامنة، وأعلنت القوات الحكومية يومها قتل 18 حوثيا وأسر آخرين في مقبنة.
وفي الوقت نفسه دعا المجلس الأعلى للمقاومة الشعبية أبناء المناطق إلى إسناد الجيش.
في الخامس من سبتمبر كانت المعركة قد اتسعت. أعلنت القوات الحكومية استعادة مرتفعات في حيفان قالت إنها تشرف على طرق إمداد حوثية باتجاه جنوب تعز وشمال غرب لحج، بينما أصبحت الكدحة إحدى نقاط الثقل بسبب اتصالها بمحور تعز–المخا.
وهنا ينبغي الانتباه إلى الجغرافيا القديمة للحرب.
 طريق تعز–المخا التقليدي يمر بالبرح، وقد أدى إغلاقه منذ 2017 إلى الاعتماد على شبكة بديلة طويلة ووعرة عبر البيرين والكدحة. وتقدّر مصادر محلية طول طريق البيرين–الكدحة–المخا بنحو 120 كيلومترا، مع أجزاء جبلية كثيرة الالتواء. هذه ليست تفصيلة مدنية؛ فالطرق القليلة الصالحة للحركة الثقيلة تتحول في الحرب إلى عقد لوجستية، ومن يسيطر على المرتفعات المطلة عليها يستطيع زيادة كلفة النقل أو قطعه.
بين 8 و9 سبتمبر تسارع الاختراق. كانت الحكومة تعلن في الوقت نفسه عمليات مضادة في الجوف والبيضاء وتعز، بينما أصبح واضحا أن الهجوم الحوثي غرب تعز لا يستهدف مواقع تكتيكية منفصلة فقط، بل يضغط باتجاه الساحل.
وفي 10 سبتمبر وقع الانهيار الكبير. أكدت رويترز سيطرة الحوثيين على المخا، وتراجع القوات الحكومية جنوبا باتجاه ذباب، ووصول الحوثيين إلى جزر في البحر الأحمر. وأفادت مصادر أخرى بسيطرة الحوثيين على جبل النار، الذي كان يمثل موقعا قياديا مهما لقوات المقاومة الوطنية.
لكن تفسير سقوط المدينة معقد من عبارة «تفوق حوثي».
المقاومة الوطنية قالت إن الانسحاب كان تكتيكيا وجاء بعد مقتل 500 من عناصرها وتفاديا للتطويق؛ وهذا رقم صادر عن القوة نفسها ولم نجد أساسا مستقلا يسمح بتأكيده.
 في المقابل، تحدثت تقارير عن تراجع أكثر من 15 لواء ونحو 30 ألف مقاتل، وظهرت اتهامات بالخيانة والرشوة وانهيار القيادة.
هذه الاتهامات بقيت اتهامات سياسية ولم تثبت بأدلة منشورة. لكن المؤكد أن حجم الانسحاب وطبيعته أثارا مراجعة داخل المعسكر المناهض للحوثيين بشأن القيادة والسيطرة والتنسيق والمعنويات.
لذلك لا يسمح الدليل المتاح بتفسير سقوط المخا على أنه اختبار نقي لقوة الحوثيين أمام قوة دفاعية متماسكة.
الاحتمال الأكثر اتساقا مع الوقائع هو أن تفوق الحوثيين في التخطيط والاستخبارات والمبادأة تفاعل مع انهيار شديد في منظومة الخصم.
وبذلك كشف سقوط المخا عن قوة حوثية حقيقية، لكنه كشف ربما بصورة أكبر عن هشاشة القوة التي كانت تدافع عنها.
الجغرافيا العسكرية
المخا مدينة ساحلية، لكن الدفاع عنها ليس مسألة ساحلية فقط.
المنطقة الواقعة بين ساحل البحر الأحمر ومرتفعات تعز ولحج تنتقل من سهل تهامي مفتوح إلى سلسلة من الجبال والأودية والممرات.
هذا الانتقال يغير طبيعة الحرب. القوة التي تستطيع الحركة بسرعة في السهل، مستفيدة من المركبات والنيران بعيدة المدى وانهيار خطوط الخصم، تجد نفسها في الجبال أمام ممرات محدودة ونقاط حاكمة وقدرة أكبر للمدافع على إخفاء القوات وتقليل ميزة التفوق العددي.
لهذا لم يكن انتقال الحوثيين بعد المخا نحو كهبوب عرضيا. قالت خمسة مصادر عسكرية لرويترز إن الحوثيين يحاولون السيطرة على هذه المرتفعات للفصل بين الساحل والمناطق الحكومية في الجنوب.
وتقع بعض مرتفعات كهبوب على مسافة تقارب 40 كيلومترا من باب المندب.
 قيمتها الأساسية ليست أنها منصة ضرورية لإطلاق الصواريخ على السفن؛ فالقدرات الحوثية بعيدة المدى تجعل ذلك ممكنا من مناطق أخرى.
قيمتها الحقيقية أنها الجدار الأرضي الخلفي للساحل: من يسيطر عليها يحصل على مراقبة أفضل للحركة، ويمنع أو يصعّب الالتفاف على قواته الساحلية، ويوفر عمقا لمنشآت الطائرات المسيّرة والصواريخ والقوات المتمركزة قرب المضيق.
الأمر نفسه ينطبق، بدرجات مختلفة، على الوازعية وجرداد والكدحة ومقبنة والبرح وجبل حبشي.
هذه ليست مجموعة جبهات منفصلة، بل شبكة تحكم في الوصول بين داخل تعز والساحل. ولهذا فإن استقرار السيطرة الحوثية على المخا لا يتوقف على وجود مقاتلين داخل المدينة بقدر ما يتوقف على منع الخصم من بناء حزام مرتفعات يستطيع منه تهديد الطرق المؤدية إليها.
حتى كتابة هذه الدراسة لا تزال كهبوب ميدان قتال، وأعلنت القوات الحكومية تقدما في جرداد وسيطرتها على جبل قرفان، فيما استمرت المواجهات في الوازعية وغرب تعز.
وهذا يعطينا أول مؤشر قوي لصالح فرضية الدراسة: السيطرة الحوثية على الساحل أوسع من عمقها الدفاعي المستقر حتى الآن.
اقتصاد القوة
تعرّف العقيدة العملياتية الحديثة «المدى العملياتي» بأنه المسافة والمدة اللتان تستطيع خلالهما القوة استخدام قدراتها العسكرية بنجاح. أما «نقطة الذروة» فهي اللحظة التي تفقد فيها القوة القدرة على مواصلة الشكل الحالي من عملياتها وتضطر إلى التوقف أو الانتقال إلى الدفاع. ويتأثر ذلك بالإمداد، والحماية، والاستخبارات، والجغرافيا، وقوة الخصم.
هذا المفهوم أكثر دقة من استخدام «التمدد الزائد» بمعنى أن القوات ابتعدت ببساطة عن صنعاء أو صعدة. فالحوثيون لا يحتاجون إلى نقل كل شيء من صعدة؛ لديهم بنية عسكرية ومخازن ومناطق سيطرة ممتدة عبر صنعاء وذمار وإب والحديدة وأجزاء من تعز. لذلك فإن المسافة الخطية من «المركز» ليست وحدها المعيار.
السؤال الصحيح هو: كم أصبح عليهم أن يحموا؟
بعد 10 سبتمبر بات على الجماعة الاحتفاظ بالمخا والميناء، وتأمين المحاور الساحلية، وحماية طرق البرح–المخا وغيرها، والمحافظة على حضورها في الجزر والمضيق، وفي الوقت نفسه مواصلة القتال في كهبوب والوازعية وغرب تعز، فضلا عن جبهات الجوف ومأرب والبيضاء، مع استمرار الضربات الجوية.
وهذه نقلة جوهرية في اقتصاد القوة.
الاستيلاء على الأرض يمكن أن تنفذه كتلة هجومية مركزة. الاحتفاظ بها يفرض توزيع القوة: نقاط تفتيش، حاميات، دفاع جوي، أمن داخلي، احتياط، حماية إمداد، مراقبة طرق، وقوات تدخل سريع. كل كيلومتر جديد لا يضيف قيمة فقط؛ يضيف التزاما.
ظهرت هذه المشكلة مبكرا. ففي 15 سبتمبر قالت القوات الحكومية إنها استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية حول المخا وجسر البرح، بينما استمرت محاولات اعتراض المسيّرات في كهبوب.
وفي 21 سبتمبر كان الحوثيون ما يزالون يدفعون نحو المرتفعات بدلا من الاكتفاء بتحصين الساحل، بما يوحي بأن القيادة الحوثية نفسها ترى أن المكسب الساحلي غير مكتمل من دون العمق الجبلي.
هذه ليست بعد دليلا على بلوغ نقطة الذروة العملياتية، لكنها علامات على ارتفاع كلفة الاحتفاظ بالمكسب.
المقاومة الجبلية: هل ظهر نموذج استنزاف فعال؟
ما حدث بعد سقوط المخا يختلف عن المخا نفسها.
في الريف الجبلي لم يواجه الحوثيون منظومة دفاعية مركزية انهارت دفعة واحدة، بل خليطا من وحدات عسكرية ومقاتلين محليين ومقاومة شعبية تعمل في مناطقها.
 في 3 سبتمبر دعت المقاومة الشعبية إلى الإسناد، وبعد سقوط الساحل تحدثت مصادر محلية عن تزايد المتطوعين في الكدحة وحيفان والشمايتين. وفي 23 سبتمبر قالت القوات الحكومية إن مقاتلين محليين من بني عمر شاركوا في السيطرة على جبل قرفان.
هذه البيئة توفر ثلاثة عناصر كلاسيكية للقتال غير المتماثل: معرفة دقيقة بالأرض، قاعدة بشرية قريبة من الجبهة، وعدم الحاجة إلى السيطرة على مساحة كبيرة كي تكون العمليات مؤثرة.
لكن من المبكر وصفها بـ«حرب عصابات ناجحة». الأدلة المنشورة لا تسمح حتى الآن بقياس منتظم لعدد الكمائن، والخسائر الناتجة عنها، ومعدل تعطيل الإمداد، ومدى استقلال المقاتلين المحليين عن القوات النظامية.
والأدق وصف ما يجري بأنه نمط دفاع محلي لامركزي يحمل قابلية للتحول إلى استنزاف غير متماثل.
نجاح هذا النموذج يرتبط بالجغرافيا. ففي الجبال يمكن لمجموعة صغيرة أن تجبر قوة أكبر على القتال من أجل تل أو ممر.
وقد لاحظت تقارير ميدانية أن القتال في كهبوب أصبح أبطأ بكثير من الاندفاع الحوثي في السهل الساحلي.
وهذه نقطة مهمة: ما أثبتته غرب تعز حتى الآن ليس أن «الحوثي هش»، بل أن فعالية القوة الحوثية تختلف جذريا باختلاف البيئة العملياتية ونوعية الخصم.
الحوثيون: أين تكمن القوة؟
اختبار فرضية الهشاشة يبدأ من الاعتراف بأن الحوثيين ليسوا القوة التي كانوا عليها في 2014.
فريق خبراء الأمم المتحدة وثق انتقال الجماعة من حركة مسلحة محلية إلى تنظيم عسكري أكثر تعقيدا بمساعدة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وخبراء عراقيين، بما في ذلك التدريب التكتيكي والتقني ونقل تكنولوجيا ومنظومات تسليح. كما تشير تقارير أحدث إلى امتلاك الجماعة قوة بشرية كبيرة وقدرات صاروخية ومسيّرات بعيدة المدى وخبرة قتالية متراكمة.
وفي هجوم الساحل تحديدا، قالت مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية لرويترز إن الحرس الثوري قدم إرشادا مباشرا للحملة، وإن قادة إيرانيين شاركوا في التنسيق؛ بينما تقول إيران إن الحوثيين حلفاء مستقلون وليسوا قوة تدار منها.
لذلك نصنف وجود الدعم والتدريب الإيراني حقيقة ذات سند قوي، أما درجة القيادة الإيرانية المباشرة للعمليات الحالية فتبقى معلومة مصدرية قوية لكنها ليست حقيقة مثبتة بصورة مستقلة.
القوة الحوثية الأساسية تقوم على قيادة أكثر تماسكا من خصومها، تعبئة بشرية كبيرة، خبرة طويلة في الحرب الجبلية، صواريخ ومسيّرات تسمح بضرب العمق، منظومة أمن واستخبارات، وقدرة على نقل الموارد بين جبهات متعددة.
لكن هذه المزايا لا تلغي مشكلة الاحتفاظ بالأرض. الصاروخ يستطيع تعطيل ميناء، لكنه لا يحرس طريقا.
 المسيّرة تستطيع ضرب تعزيزات، لكنها لا تمسك قرية. والتعبئة البشرية الواسعة تستطيع تعويض الخسائر إلى حد ما، لكنها تخلق بدورها تكاليف تدريب وتسليح وإمداد.
وهنا تقع نقطة الضعف البنيوية المحتملة: كلما توسعت الجماعة خارج مناطق سيطرتها الاجتماعية والإدارية الراسخة، ارتفعت نسبة القوة التي يجب تخصيصها للأمن والإمداد والسيطرة، وانخفضت النسبة المتاحة للهجوم.
الخسائر: ما الذي نعرفه فعلا؟
هذا هو الجزء الأقل يقينا في الدراسة.
توجد أرقام كثيرة، لكن معظمها صادر عن أطراف الحرب.
أعلنت القوات الحكومية في الأيام الأولى قتل عشرات الحوثيين، وأعلنت المقاومة الوطنية خسارة 500 من عناصرها قبل الانسحاب من الساحل.
كما ظهرت بيانات عن مقتل قيادات حوثية وأسر مقاتلين في كهبوب وغرب تعز. بعض هذه الوقائع تؤيدها بيانات نعي أو مصادر متقاطعة، لكن لا توجد قاعدة مستقلة مكتملة تسمح ببناء ميزان خسائر موثوق للطرفين.
وتحدثت الأمم المتحدة، بحسب رويترز، عن قرابة 700 قتيل في القتال اليمني المتجدد حتى 21 سبتمبر، لكن الرقم يشمل نطاقا أوسع من معركة المخا وكهبوب، ولذلك لا يجوز استخدامه بوصفه خسائر هذه الجبهة وحدها.
أما الأرقام المتداولة التي تتحدث عن آلاف القتلى الحوثيين في «صندوق قتل» غرب تعز، فلا تتوافر حتى إغلاق البحث أدلة مستقلة كافية لاعتمادها. ومن ثم تستبعدها الدراسة من الحساب.
هذا النقص نفسه مهم تحليليا. فلا يمكن بعد إثبات أن معدل الخسائر الحوثية بلغ مستوى يهدد قدرة الجماعة على التعويض.
 ما يمكن إثباته هو أن معدل استهلاك القوة ارتفع بعد انتقال القتال إلى المرتفعات، لكن حجمه الحقيقي ما يزال مجهولا.
«صدمة المخا»: النصر النفسي الذي بدأ يفقد احتكاره
كانت الخسارة الأولى في المخا نفسية بقدر ما كانت جغرافية.
السقوط السريع، وحجم الانسحاب، والتناقض بين كثافة القوات الحكومية والعدد المحدود الذي ظهر عند دخول الحوثيين المدينة، أنتج انطباعا بأن المشكلة ليست في جبهة واحدة، بل في قابلية المعسكر الحكومي كله للانهيار.
وقد غذت التحقيقات والاتهامات المتبادلة هذا التصور.
بالنسبة للحوثيين كان ذلك مضاعفا للقوة. فالانتصار الذي يقنع الخصم بأن المقاومة بلا جدوى يوفر على المنتصر معارك لاحقة.
لكن المؤشرات التالية للسقوط لا تؤكد استمرار هذه الصدمة بالدرجة نفسها.
فقد ظهرت تعبئة محلية في ريف تعز، وأعيد تنظيم بعض تشكيلات الساحل، وأُعلن في 13 سبتمبر تشكيل «المقاومة التهامية»، واستمر القتال في كهبوب والوازعية وجرداد بدلا من حدوث انهيار متتابع باتجاه لحج وعدن.
هذا لا يعني أن ميزان المعنويات انقلب. لكنه يعني أن «سردية القوة التي لا يمكن إيقافها» لم تتحول حتى الآن إلى حقيقة ميدانية مستقرة.
ومن أكثر المؤشرات دلالة أن الحوثيين اضطروا بعد السيطرة على الساحل إلى مواصلة الدفع بقواتهم نحو الجبال.
 لو كان سقوط المخا قد حسم البيئة العسكرية والسياسية المحيطة، لما احتاج المكسب إلى كل هذا القتال من أجل عمقه.
 النموذج الحوثي نسخة من العقيدة الإيرانية؟
هناك أدلة قوية على التدريب الإيراني، ونقل الخبرة والتكنولوجيا، ووجود صلات بالحرس الثوري وحزب الله، كما توجد تقارير حديثة عن دور استشاري إيراني في حملة الساحل.
لكن لا توجد في المصادر التي راجعتها الدراسة أدلة كافية تسمح بإثبات أن الحوثيين نقلوا تحديدا عقيدة «الموجات البشرية» المرتبطة ببعض مراحل الحرب العراقية–الإيرانية، أو أنهم بنوا نموذج التعبئة والاستنزاف البشري على نسخة مباشرة منها.
التشابه السلوكي ليس دليلا على انتقال العقيدة كاملة.
والأرجح أن النموذج الحوثي مركب: خبرة محلية بدأت في حروب صعدة، تعلم مؤسسي من حرب 2015 وما بعدها، موارد الدولة التي استولت عليها الجماعة، ثم معرفة وتسليح وتدريب إيراني وحزب الله.
 اختزال هذا النموذج في «العقيدة الإيرانية» يحجب العناصر اليمنية التي صنعت قدرته على البقاء.
درجة اليقين في وجود تأثير عسكري إيراني: مرتفعة.
درجة اليقين في انتقال نموذج محدد من الحرب العراقية–الإيرانية: متوسطة.
التفسيرات المنافسة: لماذا قد لا يكون الساحل فخا؟
الفرضية المضادة قوية ولا ينبغي التقليل منها.
أولا، يستطيع الحوثيون على الأرجح تحمل مستوى من الخسائر البشرية أعلى من خصومهم بسبب منظومة التعبئة والسيطرة السياسية وعدد المقاتلين الكبير.
ثانيا، تسمح الصواريخ والمسيّرات لهم بتحويل السيطرة الساحلية المحدودة إلى تأثير استراتيجي يتجاوز المساحة التي يسيطرون عليها فعليا؛ فالحضور قرب المضيق ليس بحاجة إلى سيطرة أرضية كاملة كي يرفع كلفة الملاحة.
ثالثا، يستطيع الحوثيون توزيع الضغط على جبهات أخرى. فإذا أُجبرت الحكومة على إرسال قوات إلى مأرب أو الجوف أو البيضاء، تقل قدرتها على حشد كتلة قتالية كافية لاستعادة الساحل.
رابعا، وربما الأهم، أن ضعف خصوم الحوثيين قد يعوض نقاط ضعفهم.
لقد كشف سقوط المخا مشكلة قيادة وتنسيق عميقة داخل المعسكر الحكومي. فإذا عادت الانقسامات، فلن يحتاج الحوثيون إلى حل كل مشكلاتهم اللوجستية؛ يكفي أن تبقى مشكلات خصومهم أكبر.
وقد خلصت قراءات مستقلة لسقوط الساحل إلى أن انهيار التنسيق والثقة داخل المعسكر المناهض للحوثيين كان عاملا مركزيا في الهزيمة.
لذلك فإن فرضية «التمدد الزائد» لا تعمل في الفراغ. القوة المتمددة يمكن أن تحتفظ بمكاسبها إذا كان الخصم أكثر تفككا منها.
السيناريوهات والمؤشرات
المسار الأول هو تثبيت المكسب الحوثي. يتحقق إذا استطاعت الجماعة انتزاع كهبوب والمرتفعات الحاكمة غرب الوازعية، وتأمين طرقها إلى الساحل، وإنشاء دفاع متعدد الطبقات حول المخا وباب المندب، مع المحافظة على معدل تعويض بشري ومادي يفوق خسائرها. عندها يتحول ما يبدو اليوم تمددا مكلفا إلى جغرافيا دفاعية جديدة.
المسار الثاني هو الجمود المكلف: يحتفظ الحوثيون بالمخا والساحل بينما تبقى المرتفعات متنازعا عليها. هذا السيناريو لا يعني هزيمة الحوثيين، لكنه يحول المكسب إلى التزام دائم يستنزف القوات والذخيرة ويجبر الجماعة على إبقاء جزء معتبر من احتياطها في الجنوب الغربي.
المسار الثالث هو تآكل السيطرة الساحلية. يصبح ممكنا إذا حافظت القوات الحكومية والمحلية على المرتفعات، وربطت جبهات كهبوب والوازعية وجرداد والكدحة ضمن قيادة عمليات واحدة، واستمرت في الضغط على محاور الإمداد بحيث تضطر الجماعة إلى الاختيار بين الدفاع عن الجبال والساحل والجبهات الأخرى. ولا توجد حتى 23 سبتمبر أدلة كافية للقول إن هذا السيناريو بدأ فعليا.
ويمكن اختبار اتجاه الحرب أسبوعيا عبر سبعة متغيرات: من يحتفظ بالمرتفعات الحاكمة في كهبوب والوازعية وجرداد؛ هل تبقى طرق البرح–المخا والمحاور البديلة مفتوحة أمام الحوثيين؛ حجم ونوعية التعزيزات الواصلة إلى الساحل؛ وتيرة النعوش والقيادات المعلنة القتلى لدى الطرفين؛ استمرار أو تراجع التعبئة المحلية؛ انتقال الحوثيين من الهجوم إلى التحصين؛ وأي إعادة انتشار حكومية تسمح بتشكيل احتياط موحد بدلا من جبهات منفصلة.
الدلالة الاستراتيجية: هل يمكن تعميم تجربة غرب تعز؟
حتى اللحظة، لا تثبت معارك غرب تعز أن الحوثيين قوة هشة. لكنها تكشف شيئا أكثر فائدة عسكريا: الجماعة ليست بالقوة نفسها في كل مكان، وفي كل نوع من الحروب.
كانت شديدة الفاعلية حين اجتمعت لها المبادأة، والمفاجأة، والنيران بعيدة المدى، والاستخبارات، وخصم يعاني خللا في القيادة والسيطرة.
وتباطأت قوات الجماعة عندما تغيرت المعادلة إلى مرتفعات وعرة، ومقاتلين محليين يدافعون عن مناطقهم، ومحاور ضيقة، وضرورة الاستمرار في دفع القوات إلى الأمام لحماية مكسب جغرافي كبير.
وهذه هي النتيجة الأكثر أهمية في الدراسة.
الجغرافيا لا يمكن نقلها. الحاضنة المحلية لا يمكن تصنيعها بأمر عسكري. لكن يمكن استخلاص مبادئ عامة: تحويل تفوق الخصم العددي إلى عبء عبر توسيع ما يتعين عليه حمايته؛ إجباره على القتال على محاور متعددة؛ منع تحوله من الهجوم إلى إدارة مستقرة للأرض؛ بناء قوات محلية تعرف مسرحها وتعمل داخل قيادة وطنية موحدة؛ وضرب الفجوة بين سرعة التوسع وقدرة منظومة الإمداد والحماية على اللحاق به.
غير أن المشكلة الكبرى ليست عسكرية فقط. إذا بقيت القوات المناهضة للحوثيين موزعة بين قيادات وتشكيلات ومصالح متنافسة، فقد لا تكون أي نقطة ضعف حوثية قابلة للاستغلال.
سقوط المخا نفسه يقدم الدليل المعاكس: القوة العسكرية لا تقاس فقط بعدد الجنود والسلاح، بل بقدرة المؤسسة على تحويلهما إلى فعل منظم.
وهكذا تنتهي الدراسة إلى حكم أكثر تحفظا من عنوانها: المخا ليست فخا للحوثيين حتى الآن. لكنها يمكن أن تصبح كذلك إذا بقي الساحل أوسع من العمق الذي يستطيعون حمايته، وبقيت المرتفعات عصية على الحسم، وتحولت المقاومة المحلية من رد فعل اجتماعي إلى منظومة عسكرية مستدامة.
 وبالمقابل، يمكن أن تتحول المخا إلى واحد من أهم مكاسب الحوثيين في الحرب إذا حسموا الجبال وربطوا الساحل بشبكة إمداد ودفاع مستقرة.
ما يجري في كهبوب وغرب تعز، إذن، ليس معركة جانبية بعد سقوط المخا. إنه الاختبار الذي سيقرر المعنى الحقيقي لسقوطها.
وفي صباح 23 سبتمبر ظهرت إشارة تستحق التوقف: القوات الحكومية أعلنت السيطرة على جبل قرفان في جرداد–بني عمر، بعد يوم من استمرار المعارك في كهبوب والوازعية.
  إذا تحولت مثل هذه المكاسب من قمم منفردة إلى حزام متصل يقطع أو يهدد محاور الحوثيين نحو الساحل، ستتقوى فرضية «التمدد الزائد». أما إذا استعاد الحوثيون تلك المواقع وحسموا كهبوب ووسعوا سيطرتهم شرقا عبر الوازعية، فستكون فرضية الدراسة بحاجة إلى مراجعة جوهرية.
لذلك فإن الحكم النهائي لم يُكتب في المخا يوم 10 سبتمبر. إنه يُكتب الآن، على الجبال التي خلفها.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى