تقارير

لافتات خضراء على جدران الجوع: هكذا يُدير الحوثيون “فخ المولد” بتعز

 

لافتات خضراء على جدران الجوع: هكذا يُدير الحوثيون “فخ المولد” بتعز

#تفكيك

تعز – تقرير خاص:

حين يرتفع سعر المتر الواحد من قماش الزينة الأخضر إلى ألف ريال، لا يعود الأمر مجرد مظاهر احتفالية، بل يغدو ضريبة إضافية تُقتطع قسراً من بطون جائعة. ففي مدينة الصالح ومفرق ماوية ومنطقة الحوبان شرقي تعز، تكتسب الشوارع واجهات لونية موحدة تحجب خلفها واقعاً معيشياً مهلكاً؛ وبينما تتزين الجدران والبيوت، ينشغل آلاف المعلمين — ممن يعتاشون على “نصف راتب” ممزق — في عدّ الساعات الفاصلة عن موعد الحفل المركزي المقرر ظهر الغد. ولا يقتصر هذا المشهد على بهجة مظلمة، بل يخفي تحولاً حقوقياً بالغ الخطورة؛ تمثل في تحول مربي الأجيال، بفعل العوز والضغط الممنهج، من ضحايا لقطع الرواتب إلى أدوات رقابة وبلاغات تُسجل أسماء الرافضين لأنشطة الجماعة وتوجهاتها، فضلاً عن كونهم محركات حشد مجبرة على اقتياد الأفراد نحو الساحات تحت تهديد بطش المشرفين وسطوتهم.

 

وبالتزامن مع قسوة هذه المفارقة البصرية، تُشترى اللفة الخضراء المتدلية من واجهات عمائر مدينة الصالح بثمن باهظ من أجور معدومة؛ لتجد العائلات التي أرهقتها سنوات الحرب وانقطاع الدخل نفسها أمام خيارين أحلاهما مر: إما ابتياع الزينة تحت وطأة الترهيب المجتمعي، أو مواجهة اتهامات خفية بالتمرد. وهو استنزاف مادي يتسق مع ركود معيشي خانق، يتحول فيه الفضاء العام إلى ساحة استعراض أيديولوجي تُفرغ جيوب الفقراء لصالح مظاهر باهظة.

وفي قلب هذا الاستنزاف، تبرز الانتهاكات الحقوقية بأبشع صورها عبر استغلال الفئات الهشة؛ إذ جُرد المعلمون — الذين يُفترض أنهم حراس العقل وصناع الوعي — قسراً من أدوارهم النبيلة ليُدفعوا نحو مربعات الوصاية والترهيب. فقد فرضت شبكة المشرفين التابعين للجماعة عليهم مسؤولية مركزية تتمثل في تتبع وتسجيل ورفع قوائم بأسماء المعارضين للفعاليات والمشاركات، وأصبح “نصف الراتب” الشهري المتقطع أداة مزدوجة تخيرهم بين الانخراط في ماكينة الرصد والبلاغات أو خسارة الفتات المتبقي للعيش، ليتورط قطاع التعليم في مسار عكسي يضرب السلم المجتمعي في مقتله.

ولا تنفصل هذه التعبئة القسرية عن السياق الميداني المتوتر؛ فعلى وقع تبادل قصف المسيرات وسقوط الضحايا على خطوط النار، أطلقت الحكومة الشرعية قبل أيام تحذيرات صريحة تدعو المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين إلى الابتعاد عن التجمعات والفعاليات الحاشدة التي قد تكون عرضة للخطر. غير أن هذه التحذيرات الإنسانية تصطدم بجدار حديدي من الإكراه؛ إذ تكثف قيادات الجماعة وعقال الحارات ضغوطهم اللحظية على المواطنين والموظفين لكسر تلك التحذيرات، ودفع الحشود قسراً نحو الساحات مع إشراقة شمس الغد، متجاهلةً الأخطار المحدقة بأرواح المدنيين الأبرياء.

هذا ويخلف التحول الإداري والأمني آثاراً كارثية تهدد عمق البنية المجتمعية؛ إذ يؤدي إجبار المعلمين على التحول إلى عيون راصدة ترفع التقارير عن زملائهم والمحيطين بهم إلى تدمير الثقة وهدم أواصرها بين أبناء الحي الواحد، ومضاعفة شعورهم بالقهر المهني والأخلاقي بوضعهم في مواجهة مباشرة مع مجتمعهم، ناهيك عن تعريض آلاف المواطنين والأطفال لمخاطر أمنية مضاعفة وسط التوترات المستمرة.

ليُجسد هذا الواقع برمته مأساة عميقة يعيشها الإنسان اليمني في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يتم السطو على رموزه التربوية والثقافية وتوظيفهم قسراً في تقويض حريات مجتمعهم؛ وبينما يُستنزف الفتات المتبقي من لقمة العيش لتمويل طقوس الولاء الإجباري، يُترك المواطن والمعلم في مواجهة مصير قاسٍ بين الانخراط في آلة الرصد والترهيب أو التلاشي تحت سياط الجوع والقهر، في مسار يستهدف تجريد المجتمع من أي مناعة أخلاقية أو إنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى