رسالة «الفرصة الأخيرة» وتحول المعادلة من الحسم إلى «صناديق الاقتراع».

في لحظة فارقة تعيد رسم ملامح المشهد اليمني برمته، أطل رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الدكتور رشاد محمد العليمي، اليوم الأربعاء، في لقاء إعلامي موسع مع وسائل الإعلام الرسمية والمحلية احتضنته العاصمة المؤقتة عدن، ليضع الخطوط الفاصلة بين مرحلة استنفدت كل فرص التهدئة ومرحلة جديدة محركها الأساسي فرض سيادة الدولة بـ «الردع المتكامل»، بالتوازي مع إتاحة خيار سياسي جذريه الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.
ولم يكن اللقاء مجرد استعراض إعلامي للتوجهات السياسية، بل جاء كإعلان سياسي وعسكري يحمل في طياته تحولات جوهرية؛ إذ أرسل رئيس مجلس القيادة رسالة هي الأخيرة إلى مليشيا الحوثي الإرهابية، مفادها أن الفرصة ما تزال متاحة أمامها لإلقاء السلاح والانخراط في بناء وطن يتسع للجميع، مستدركاً بنبرة حازمة أن الدولة اليمنية باتت اليوم أكثر قدرة وتماسكاً واستعداداً لحماية مواطنيها ومؤسساتها ومصالحها السيادية. وأكد العليمي بشكل واضح انتهاء الحقبة التي كانت تُمارس فيها الاعتداءات الإرهابية دون كلفة، مشدداً على أنه لن يكون هناك بعد اليوم أي عمل إرهابي حوثي دون رد أو ردع شامل، بعد أن استُكمل العمل على توحيد القرار السياسي والعسكري والأمني، وباتت القوات المسلحة بجميع تشكيلاتها تخضع لقيادة واحدة ولغرفة عمليات مشتركة تحت مظلة اللجنة العسكرية العليا والقائد الأعلى.
وفي ذات السياق، وضع العليمي استعادة كافة مؤسسات الدولة وإسقاط الانقلاب كهدف استراتيجي ثابت لا مساومة فيه، تاركاً توقيت وآليات التنفيذ لما تقرره الخطط العسكرية والسياسية، ومشيراً إلى أن تجربة عقد كامل أثبتت أن الحوثيين يستغلون الهدن للتحشيد وإعادة البناء، وهو ما جعل المقاربة الإقليمية والدولية تتغير جذرياً لصالح موقف الشرعية. ولم يغفل الرئيس الجبهة الداخلية؛ بل وجه خطاباً مكاشفاً لمؤسسات الدولة والحكومة، مؤكداً على ضرورة أن تكون جديرة بصبر الشارع، وأن «تعمل أكثر، وتخطئ أقل، وتحاسب المقصر». كما شدد في ذات الصدد على المؤسسات الأمنية والتنفيذية بضرورة الاعتماد على الشفافية والسير وفق آلية إعلامية وميدانية تُظهر للشعب حقيقة وحجم التقدم والإنجازات التي تحققت أو جاري تحقيقها على الأرض، مؤكداً أن ثقة المواطن هي حجر الزاوية في المعركة الوطنية.
وفي ختام اللقاء، توج رئيس مجلس القيادة تصريحاته برسم مخرج سياسي دائم وشديد الدقة، حين وجّه رسالة مباشرة للحوثيين تؤكد أن بإمكانهم التحول إلى مكون أو «حزب سياسي فعال»، يلقي السلاح وينخرط في التنافس عبر «صناديق الاقتراع» في إطار الخدمة الوطنية والبناء. ويرى مراقبون أن هذه الدعوة تحمل أبعاداً استراتيجية وتداعيات سياسية عميقة؛ إذ إنها تسقط دعاوى المظلومية والإقصاء السياسي التي تتذرع بها الجماعة، وتضعها أمام المفهوم الحقيقي لـ «مبدأ المواطنة والشراكة الوطنية»، حيث لا مجال لفرض الرؤى بالقوة المسلحة أو ادعاء الحق الإلهي في الحكم، بل الاحتكام الوحيد لشرعية الشعب عبر صناديق الاقتراع.
وفي القراءة السياسية والتداعيات المترتبة على هذه الرسالة، تُقرأ هذه الخطوة كتحول جوهري يفرض تحدياً وجودياً وفكرياً على الجماعة الحوثية؛ فقبول الحوثيين بالتحول إلى مكون مدني ينافس في انتخابات ديمقراطية يعني ضمنياً التخلي عن عقيدة «الولاية» والتفوق السلالي واحتكار السلاح، وهو ما يضع قيادتهم في مواجهة حقيقية مع قواعدها ومبررات وجودها المسلح. أما بالنسبة للشعب اليمني والمواطنين القابعين تحت سيطرة المليشيا، فإن الرسالة تؤكد أن المعركة ليست ضد فئة أو مكون يمني بحد ذاته، بل ضد مشروع الغلبة وإلغاء الآخر، مما يفتح أفقاً حقيقياً للأمل وينزع الشرعية السياسية عن استمرار الحرب. وعلى الصعيد الدولي والإقليمي، تُبرز هذه الدعوة الدولة اليمنية كمشروع سلام حضاري يحتكم إلى الخيارات الديمقراطية والتعددية الحزبية، مقابل مشروع مليشياوي يقتات على الحرب والولاءات الخارجية، مما يزيد من عزلة الجماعة الحوثية ويُضفي غطاءً وسيادياً كاملاً على أي إجراءات ردع قادمة في حال استمرار رفضها لخيار الاحتكام للشارع اليمني.
وينتهي القارئ لخطاب رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى أنه ينقل الأزمة اليمنية من حالة الركود إلى مربع الاستحقاقات الحاسمة؛ حيث أصبحت الشرعية تمسك بزمام المبادرة السياسية والعسكرية، متكئة على تماسك داخلي متزايد وطرح سياسي يربط السلام الدائم بالمواطنة المتساوية والعمل الديمقراطي، لتعلن عدن رسمياً أن زمن الصمت قد انتهى، وأن المستقبل لن يُكتب بقوة السلاح بل بإرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع.



