أخبار كلية الإعلام – جامعة عدنتقارير

معركة الاستقلال الأكاديمي …كلية الإعلام بجامعة عدن بين طموح الرقمنة وواقع انقطاع الكهرباء

معركة الاستقلال الأكاديمي …كلية الإعلام بجامعة عدن بين طموح الرقمنة وواقع انقطاع الكهرباء

تفكيك خاص ـ تقارير

عندما يُقرر أستاذ جامعي شغوف أن يشرح تقنيات مونتاج الذكاء الاصطناعي وكتابة الأخبار الرقمية، وهو يلوّح بملف ورقي لعلّه يطرد الحر الخانق عن وجهه، تتضح معالم الفجوة المؤلمة داخل كلية الإعلام بجامعة عدن. لم تعد الأزمة مجرد طقس حار اعتيادي، بل هي واقع يومي يجمع بين أكاديميين يحاولون التدريس في بيئة تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية، وطلاب يُصارعون للبقاء على قيد الحياة داخل القاعة بدلاً من التركيز على التحصيل العلمي.

إن إعلان تحول الإعلام من قسم تابع إلى كلية مستقلة تودع الآن دفعتها الثانية، حوّل الحلم الذي طال انتظاره إلى ما يشبه “الفخ” الأكاديمي؛ فكيف لمؤسسة تدعي الاستقلال الأكاديمي والتخصص التطبيقي أن تفتقر للبنية التحتية الأساسية للتعليم والتدريب؟

 

##صدمة الأرقام: كثافة طلابية في قاعات تفتقر للحياة

يتكدس أكثر من “100 طالب وطالبة” في أقسام الكلية الثلاثة (الصحافة، الإذاعة والتلفزيون، العلاقات العامة) داخل “3 قاعات دراسية ومدرج واحد فقط”.

مرت ثلاث سنوات قاسية من المعاناة على الطلاب والأكاديميين قبل أن تُضاف منظومة طاقة شمسية جزئية للقاعات الثلاث مع بداية المستوى الرابع، بينما تظل بقية المرافق والأنشطة الأكاديمية رهينة الانقطاع التام للكهرباء. يخلو هذا الواقع من الشاشات التفاعلية، أجهزة التكييف، أو حتى التهوية البسيطة في أوقات الذروة، مما يجعل العملية التعليمية عبئاً جسدياً ونفسياً.

 

##شهادات حية من داخل “غرف الاحتراق”

يتحدث الطلاب والدكاترة بمرارة عن أيام تحولت فيها الامتحانات والمحاضرات إلى اختبار قسري لمدى التحمل البدني، حيث يتساوى الأستاذ والطالب في المعاناة

“صعب جداً.. الورقة تتبلل من العرق وأنا أكتفي بالتهوية لنفسي طوال وقت الامتحان بدلاً من التركيز على الحل.” “إحدى طالبات الكلية”

 

“تدخل الامتحان وكأنك داخل تغتسل وتخرج.. لا تكييف، لا مراوح، وانقطاع الكهرباء يسبب الضيق والرشح خصوصاً لمن يعانون من أمراض تنفسية”

“أحد طلاب الكلية”

 

“الحر شديد واليد عارقة، والورقة تتبلل من كثرة العرق.. لا نستطيع أن نجاوب بسهولة أو نطلع النتائج التي بذلنا لأجلها المجهود.

“طالبة أخرى تصف لحظات الاختبار”

“كثيراً ما أضطر لاختصار المحاضرة، لا لانتهاء المادة العلمية، بل لأنني أرى الطلاب يختنقون أمامي وأنا بالكاد ألتقط أنفاسي

*أحد أساتذة الكلية يصف أثر البيئة الدراسية*

 

##الفجوة الكبرى : إعلام بلا استوديوا وتخصص بلا معامل

تكمن الأزمة الحقيقية في أن كلية الإعلام هي كلية تطبيقية بامتياز، غير أن مخرجاتها اليوم ترتكز على التنظير القسري بسبب العجز في البنية التحتية:

“انعدام صالات التحرير الرقمي”:يدرس الطالب مساقات الصحافة الإلكترونية دون أن يلمس جهاز كمبيوتر أو يجرب إيقاع العمل داخل غرفة أخبار مجهزة.

“غياب الاستوديو التلفزيوني:” يتخرج طلاب قسم الإذاعة والتلفزيون دون تجربة الوقوف الفعلي أمام الكاميرا أو استخدام أدوات الإضاءة والصوت الحديثة.

“المعمل الإذاعي المهجور:” المعمل الوحيد المتاح يظل مغلقاً معظم الأوقات، ليتحول التدريب الميداني إلى مجرد أفكار وخطط تُكتب على السبورة.

عجز الكادر أمام الواقع ” يجد الأستاذ الأكاديمي نفسه محاصراً بقلة الإمكانيات، فيضطر للتدريس التقليدي، عاجزاً عن إيصال المهارات الرقمية التي يفرضها سوق العمل الحديث.

 

##أزمة المبنى: قرار نقل مع إيقاف التنفيذ

لحل أزمة تكدس القاعات، صدر قرار سابق بنقل كلية الإعلام إلى مبنى السكن الطلابي (سابقاً). إلا أن هذا القرار اصطدم بعقبات اجتماعية وإدارية؛ حيث تم تأجيل تنفيذ النقل بسبب احتجاجات الطالبات المقيمات في السكن الجامعي، لتبقى الكلية حبيسة مساحتها الضيقة بانتظار حلول استراتيجية من رئاسة الجامعة تنصف كافة الأطراف وتوفر للكلية مقرها المستحق.

 

##من التأسيس إلى الواقع: عمادة الكلية يتحدثون لـ “تفكيك”

ولفهم جذور الأزمة ومآلاتها، تواصل موقع “تفكيك” مع الإدارات المتعاقبة للكلية.

يوضح الدكتور محمد علي ناصر، العميد السابق والمؤسس للكلية*، أن قرار الاستقلال لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة تخطيط امتد لعقدين. فمنذ إنشاء قسم الإعلام بكلية الآداب عام 1998، ظل التخصص تابعاً لكلية متعددة التخصصات لمدة 21 عاماً، مما حدّ من قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة أو توفير بنية تحتية تطبيقية.

ويضيف الدكتور ناصر:

“بعد سنوات من العمل والمتابعة، صدر قرار إنشاء كلية الإعلام المستقلة عام 2019 لتشكل محطة تاريخية. ومنذ اليوم الأول لتأسيس الكلية، أعددنا رؤية استراتيجية ومصفوفة متكاملة لاحتياجاتها شملت إنشاء الاستوديوهات، المعامل، القاعات، وتوفير الأجهزة والمعدات، ورفعناها لرئاسة الجامعة. ورغم مرور السنوات، لا تزال الكلية بحاجة ماسة لاستكمال بنيتها التحتية، فنجاح التعليم الإعلامي يرتبط كلياً بتوفير البيئة التدريبية المناسبة، وما زلنا نأمل أن تحظى الكلية بالدعم الذي تستحقه.”

وفيما يتعلق بالواقع المعقد الذي رافق تسلم العمادة الجديدة، يوضح “الأستاذ الدكتور وهيب عزيبان، العميد الحالي للكلية” لـ “تفكيك”، أن إدارة الكلية اعتمدت خطة عاجلة للتعامل مع هذا الواقع كدافع لإيجاد حلول مبتكرة بدلاً من التوقف عند عائق الإمكانات.

وأشار عزيبان إلى أن الخطوات الأولى شملت صيانة القاعات الدراسية وتركيب منظومة طاقة شمسية استراتيجية أمنت استمرار العملية التعليمية، مع وجود خطة مرحلية لتوسيع المنظومة وإعادة تأهيل المعامل بالتعاون مع الجهات المانحة. وحول مخاوف غياب التطبيق العملي، أكد أن الكلية بادرت بتحديث الخطط الدراسية عبر إدخال مساقات رقمية حديثة مثل (الذكاء الاصطناعي، صحافة البيانات، والتحقق من المعلومات)، بالتوازي مع فتح آفاق التدريب الميداني وتمكين الطلاب من إدارة منصات إعلامية طلابية تمنحهم سجلاً مهنياً حقيقياً قبل التخرج.

 

##ماذا بعد؟ نداء عاجل لإنقاذ جيل التأسيس

إن استمرار هذا الوضع يحول الاستثمار في الوعي والإعلام إلى هدر لإمكانيات الطلاب والدكاترة على حد سواء. ولإنقاذ هذه الكلية الوليدة ومستقبل مخرجاتها، يتطلب الأمر تدخلاً مباشراً عبر:

“تجهيز وإعادة فتح المعامل فوراً:” تشغيل المعمل الإذاعي، وتجهيز استوديو تلفزيوني مصغر وصالة تحرير رقمية تخدم التخصصات الثلاثة.

“استكمال منظومة الطاقة المستدامة:” تزويد كافة مرافق الكلية ومكاتب الدكاترة والقاعات المتبقية بالطاقة الشمسية لضمان بيئة تعليمية ملائمة.

“توفير موازنة تشغيلية ودعم حكومي:” إقرار موازنة استثمارية تليق بكلية إعلام مستقلة، مع توجيه صندوق لدعم مشاريع التخرج والأبحاث الطلابية.

“فتح شراكات ميدانية:” عقد اتفاقيات مؤسسية بين الكلية والمؤسسات الإعلامية المحلية لفتح استوديوهاتها لتدريب الطلاب عملياً ريثما يتم تجهيز معامل الكلية.

تبقى كلية الإعلام بجامعة عدن مشروعاً طموحاً يحمل آمال مئات الشباب الشغوفين بالسلطة الرابعة، لكن هذا الطموح سيظل مقيداً ما لم تتحول وعود الاستقلال الأكاديمي من حبر على ورق إلى جدران، شاشات، واستوديوهات تنبض بالحياة، وتصنع إعلاميي المستقبل لا ضحاياه

 

تقرير: معتز الصالحي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى