مقالات تحليلية

بين الإعلام المهني وضجيج المنصات… لماذا يعزف الطلاب عن دراسة الصحافة؟

تفكيك

لم تعد مهنة الصحافة كما كانت في الوعي المجتمعي قبل سنوات. فقد شهدت تحولات كبيرة بفعل الثورة الرقمية وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أصبح المشهد الإعلامي اليوم مفتوحًا للجميع بلا ضوابط واضحة تميّز بين المهني وغير المهني.

ومن هنا يبرز سؤال مهم:

لماذا بدأ كثير من الطلاب يعزفون عن دراسة الصحافة والإعلام؟

أحد أبرز الأسباب يتمثل في حالة التهميش التي تعيشها المهنة، نتيجة الخلط بين الإعلام المهني والنشاط الرقمي. فقد أصبح عدد المتابعين في بعض الأحيان معيارًا بديلًا عن التأهيل الأكاديمي والخبرة العملية. وأصبح من الممكن أن يُقدَّم ناشط على فيسبوك بوصفه “إعلاميًا”، في الوقت الذي يتخرج فيه طلاب من مؤسسات أكاديمية متخصصة مثل كلية الإعلام – جامعة عدن دون أن يجدوا البيئة التي تحترم تخصصهم وتمنحهم المساحة المستحقة.

لا أحد ينكر أهمية الإعلام الرقمي، ولا يمكن التقليل من دور صُنّاع المحتوى والمؤثرين في نقل القضايا المجتمعية، لكن المشكلة لا تكمن في وجودهم، بل في غياب التمييز المهني بينهم وبين الصحفيين الأكاديميين. فالصحافة ليست مجرد نشر سريع للمعلومة، بل هي عملية متكاملة تقوم على:

التحقق، والتوازن، والمسؤولية القانونية، والالتزام بميثاق الشرف المهني.

عندما يُستبدل الصحفي المؤهل بشخص لا يخضع لأي معايير تحريرية، فإننا لا نسيء لأفراد، بل نسيء لتاريخ طويل من النضال المهني الذي أسّس لقيم المصداقية والموضوعية. والأسوأ من ذلك أن هذا الواقع يبعث برسالة سلبية إلى طلاب الثانوية والجامعات مفادها أن الدراسة الأكاديمية في مجال الإعلام لم تعد ضرورة، وأن الشهرة قد تختصر الطريق.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

فإذا فقدت المهنة هيبتها، فقد المجتمع أحد أهم أدواته في صناعة الوعي وتصحيح المفاهيم.

إن حماية مهنة الصحافة لا تعني تقييد حرية التعبير، بل تعني تنظيم الفضاء العام بما يحفظ للمهنة مكانتها، ويضمن حق المجتمع في الحصول على معلومة دقيقة ومسؤولة.

المطلوب اليوم ليس إقصاء أحد، بل إعادة الاعتبار للتمييز المهني:

إعلامي مهني يحمل رسالة،

وصانع محتوى يمارس نشاطًا رقميًا مشروعًا،

لكن لكلٍّ مجاله وصفته.

قد يكون كل إعلامي مشهورًا،

لكن ليس كل مشهور إعلاميًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى