أخبار

هل يغسل دم الضحايا ذبح الأثوار ونصب الخيام في وضح نهار صنعاء

تفـكــ ـيك
بين رصاصات ديسمبر التي أطفأت حياة هشام الضبيبي وزوجته أسماء الكيال في وضح نهار العاصمة، وبين الخيام والأثوار التي تحاصر منزل عائلتهما اليوم، يتكشف الفصل الأكثر رعباً في حكاية العدالة المفقودة؛ فصلٌ لا يتحدث عن الجريمة ذاتها، بل عن كيفية تحويل “دم البريء” إلى ورقة مناورة وضغط في غابة لا تحكمها القوانين بل يحكمها نفوذ السلاح.
المشهد القادم من هناك لم يعد مجرد تفصيل جنائي، بل صدمة مجتمعية مكتملة الأركان.
مئات المسلحين والوجاهات القبلية يتوافدون بالأثوار والخيام لينصبوا ساحة استعراض قوة أمام جدران منزل عائلة مكلومة، والهدف الظاهري هو “طلب العفو والتسامح”، أما الحقيقة المُرّة فهي ممارسة نوع من “الإكراه الناعم” لفرض التنازل عن القصاص وتمرير رواية باهتة تدّعي أن إمطار سيارة عائلية بمئات الرصاصات وترويع أطفالها كان مجرد “خطأ” عابر…
الخطورة هنا لا تكمن في الحشد القبلي بحد ذاته، بل في ذلك الشلل المريب الذي يصيب المنظومة الأمنية وسلطة الأمر الواقع، وهو شلل تتبادل فيه الميليشيا الأدوار مع القتلة بشكل فج.
وهذه المنظومة التي تستنفر كل طاقتها واستخباراتها لتعقب ناشط انتقد الوضع في منشور، أو لمصادرة كاميرات المراقبة التي توثق الجريمة خوفاً من اهتزاز صورتها، هي ذاتها التي تقف اليوم متفرجة وعاجزة أمام حصار مسلح يمتد لأيام ضد أسرة مهدورة الحقوق.
وهذا التناقض الفاضح يثبت أن الأمن في هذا الواقع قد جرى تسييسه وخصخصته تماماً، ليصبح أداة لحماية الكيان الحاكم وتحصين حلفائه، بدلاً من أن يكون مظلة تحمي المواطن البسيط..
ما يحدث في هذه القضية اليوم يتجاوز مجرد فوضى اجتماعية ليصبح تواطؤاً مؤسسياً تقوده الميليشيا مباشرة؛ فهي لا تكتفي بترك أسرة الضحايا وحيدة تحت مقصلة الترهيب القبلي، بل توظف أدواتها لكسر إرادة هذه العائلة وتجريدها من حق المقاومة القانونية.
وفي المقابل، تمارس الميليشيا عملية تجريف واضحة لما تبقى من استقلال القضاء، محولة غرف المحاكم إلى مكاتب تابعة لتوجيهات المشرفين، ومجبرة القضاة على الرضوخ لإملاءات القوة بدلاً من نصوص القانون، لتبدو الحشود المسلحة أمام المنازل وكأنها الذراع التنفيذي غير الرسمي لسياسة إفلات القتلة الموالين من العقاب.
وهذا التخادم الفج بين سلطة الأمر الواقع ومراكز النفوذ القبلي يعيد صياغة مفهوم العدالة في صنعاء ليصبح مرادفاً لمنطق القوة والإذعان.
عندما يُترك المجتمع ليفهم أن حشد السلاح ومباركة الميليشيا كفيلان بطمس معالم جريمة إبادة أسرة كاملة، فإن السلم الأهلي يلفظ أنفاسه الأخيرة، مفسحاً المجال لأحقاد دفينة تتراكم تحت رماد العفو القسري.
فالعدالة لا تتحقق بذبح الأثوار ولا بتسييس القضاء ونصب خيام الضغط المسلح، بل بإعلاء صوت القانون وحفظ كرامة الإنسان، وبدون ذلك يبقى الأمن مجرد وهم صُمم لحماية القوي واضطهاد الضعيف، وتظل دماء المستضعفين معلقة في رقبة منظومة فضّلت حماية الولاءات على حساب الحق والعدالة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى