
تفكيك -خاص
شهدت قضية السياسي والمناضل الوطني اليمني البارز محمد قحطان فصولاً مأساوية تلخص وحشية السلوك الممنهج لميليشيا الحوثي الإرهابية؛ فلم تكن جريمة تغييبه مجرد احتجاز سياسي، بل تحولت على مدار أكثر من عقد من الزمن إلى جريمة وحشية تخترق كل الخطوط الحمراء للقوانين الإنسانية، والأعراف الدولية، والقيم الأخلاقية لليمنيين.
فمن الاختطاف والإخفاء القسري، وصولاً إلى الإعلان الصادم عن وفاته والغموض الذي يلف رفات جثمانه، تكشف هذه القضية عن نمط متكامل من التلاعب وطمس الأدلة الذي يستوجب ملاحقة جنائية دولية لا تسقط بالتقادم. لقد كرس محمد قحطان حياته للدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية، والشراكة الوطنية، وكان صوتاً بارزاً للحوار والسلام، ومهندساً للتوافقات السياسية كقائد في حزب التجمع اليمني للإصلاح وأحد ألمع الوجوه التي صاغت مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وهو التوجه الوطني والسياسي الذي جعل منه هدفاً رئيساً لميليشيا لا تؤمن إلا بلغة السلاح والإقصاء.
بدأت الجريمة باختطافه وإخفائه قسراً لأكثر من أحد عشر عاماً، حُرم خلالها من أبسط حقوقه الإنسانية، وحُرمت عائلته من معرفة مصيره أو سماع صوته، في توظيف سياسي خبيث لا إنساني لملف الحقوق والحريات وتحويل الضحايا إلى أوراق ابتزاز على طاولات المفاوضات.
ولم يكن للميليشيا أن تتمادى في غيها وتصل بالقضية إلى هذا المنعطف الصادم لولا حالة التساهل المريب والخذلان الممتد من قِبل الشرعية اليمنية، ودول التحالف العربي، والأمم المتحدة؛ فلقد مرّت سنوات طويلة طُبخت فيها صفقات تبادل أسرى ومحتجزين متعاقبة خارج البلاد برعاية أممية، بدءاً من اتفاق ستوكهولم أواخر 2018 مروراً بجولات مسقط وعمان، حُرر بموجبها قادة عسكريون وهامات سياسية وقبلية كبرى من الطرفين، بل وأُفرج عن كافة المشمولين بالقرار الدولي 2216 باستثناء قحطان الذي ظل اسمه يتردد في البيانات الرسمية ويغيب عن أي نتائج ملموسة.
وهذا التراخي المشترك منح الخاطفين صكاً غير مكتوب للاستمرار في الجريمة والتملص من القرار الأممي الصادر تحت الفصل السابع، والذي نص صراحةً على وجوب الإفراج الفوري والآمن عنه دون قيد أو شرط، وهو الإلزام الذي تحول بفعل العجز الدولي إلى حبر على ورق، لتستمر جولات التفاوض وآخرها في العاصمة الأردنية عمان وسط تصريحات حكومية مكررة تتمسك بإدراج قحطان كـ “حالة إنسانية لا يمكن تجاوزها” دون فرض واقع حقيقي ينهي معاناته، رغم التحذيرات المبكرة للمنظمات الدولية كمنظمة العفو الدولية التي نبّهت منذ يناير 2016 لخطر تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة.
ونتيجة لهذا التهاون، بدأت مرحلة جديدة من التعذيب النفسي والتلاعب بالحقائق خلال إجراءات المعاينة الطبية الشرعية داخل مستشفى الكويت بصنعاء، حيث تضع الرواية الحوثية حول ملابسات وفاة قحطان وهوية الجثمان المعروض علامات استفهام كبرى وعميقة؛ إذ صُدمت عائلة المناضل قحطان واللجنة المشتركة بأن الرفات الذي عُرض للفحص اقتصر على النصف السفلي من الجسد فقط، بينما كان الجزء العلوي بما في ذلك الرأس والصدر مفقوداً تماماً…
ويرى مراقبون وصحفيون أن ترويج جماعة الحوثي لرواية وفاة قحطان جراء قصف جوي ليس سوى مسرحية هزلية مكشوفة لاحتواء الضغوط المتزايدة وإغلاق الملف بأقل كلفة ممكنة، في حين تؤكد المؤشرات الميدانية والتحليلات الحقوقية فرضية تعرضه للتصفية الجسدية المتعمدة بالرصاص أو الوفاة تحت التعذيب داخل الزنازين السرية، وأن بتر الجسد هو سلوك جنائي مدروس لإخفاء ملامح الجريمة والمقذوفات النارية..
وفي سلوك يعكس ذروة السادية السياسية، مارست الميليشيا أسلوباً خبيثاً من الترهيب غير المباشر والضغط النفسي على الأسرة المكلومة؛ حيث وضعتها تحت وطأة حصار معنوي خانق لإجبارها على التوقيع الفوري على محضر المعاينة والقبول بالهوية المزعومة للرفات قبل حتى ظهور نتائج عينات الـ DNA الأربع الموزعة بين الأطراف لتدقيقها في مختبرات بريطانية، في محاولة بائسة ومستعجلة من الميليشيا لصناعة موافقة قسرية تحت الضغط لإغلاق الملف قانونياً وشعبياً، ومحو معالم الجريمة المروعة للأبد.
إن هذا الابتزاز والترهيب غير المباشر للأسرة، ومحاولة حصر دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر في صفة “المراقب الصامت”، يثبت أننا لسنا أمام مجرد إجراءات روتينية لتسلم رفات شخصية حظيت بالحصانة الدولية، بل أمام جريمة إخفاء قسري مستمرة ترقى إلى مصاف جرائم الحرب وتضع مصداقية المنظومة الدولية برمتها على المحك…
فقضية محمد قحطان اليوم ليست مجرد ملف في أروقة الأمم المتحدة، بل هي صرخة إنسانية ضد الوحشية؛ صرخة عائلة حُرمت من حياة أبيها في حياته، وحُرمت من حرمة جثمانه بعد وفاته. إنها جريمة ضد الضمير الإنساني، تبقى تفاصيلها محفورة في ذاكرة اليمنيين كشاهد على أبشع مراحل التنكيل بالانسان وكرامته.
وهنا ينفجر السؤال الأكبر والأكثر إلحاحاً بوجه الجناة والمتواطئين على حد سواء:
ما الدافع الحقيقي من وراء التكتم المطبق على جثمان محمد قحطان وإخفائه طيلة أحد عشر عاماً؟!
وهل صحيحٌ أنه كان ضحية قصف طيران؟
أم أن أشلاء جسده المبتور هي الشاهد الحسي الأخير على عملية اغتيال سياسي وحشية جرت خلف الجدران المغلقة، وعملت الميليشيا طيلة عقد من الزمن على تبديد أدلتها حتى لا تساق قياداتها إلى مقصلة العدالة الدولية؟!
