تحليلات

بين “يافا” وعدن: هل أصبحت الصهيونية بوابـة العبور الرسمية لمشروع الانفصال؟

بين “يافا” وعدن: هل أصبحت الصهيونية بوابـة العبور الرسمية لمشروع الانفصال.

#تفكيك

لم يعد الأمر مجرد تسريبات تُناقش خلف الأبواب المغلقة، ولا مناورات سياسية يغلفها الغموص الدبلوماسي في عواصم الشتات، بل تحول إلى وقائع ملموسة تؤكدها التواريخ والمنصات الإعلامية؛ فما ينضح به الشارع في عدن اليوم ليس سوى انعكاس مباشر لبوصلة سياسية تم توجيهها علناً صوب تل أبيب منذ سنوات. إن مقطع الفيديو المخزي الذي بثت لقطاته كاميرا قناة “يمن شباب” الفضائية، قناة يمن شباب لشخص محسوب على تيار المجلس الانتقالي وهو يستجدي الدعم علناً من “إسرائيل الكبرى” مدعياً أن “الجنوب لن يأتي عبر المسلمين أو العرب”، يعيدنا مباشرة إلى سلسلة المواقف الموثقة لزعيم الانتقالي عيدروس الزبيدي…
فالقصة لم تبدأ اليوم؛ بل بدأت ملامحها الرسمية الصادمة في فبراير/ شباط 2021، عندما أعلن الزبيدي في مقابلة تلفزيونية شهيرة عبر قناة “روسيا اليوم” (RT) عن استعداد المجلس الكامل للتطبيع مع إسرائيل وفتح سفارة لها في عدن، واصفاً تطبيع العواصم العربية مع تل أبيب بـ “العمل المثالي” لتحقيق السلام في المنطقة. ولم يتوقف هذا المسار عند حدود الغزل التلفزيوني؛ ففي ديسمبر/ كانون الأول 2023، نقلت “هيئة البث الإسرائيلية” الرسمية (مكان) تصريحاً مباشراً عن الزبيدي يجدد فيه العرض بصياغة أكثر خطورة، حيث قال: “إذا اعترفت إسرائيل بحق تقرير مصير جنوب اليمن، فسيجدون حليفاً ميدانياً ضد التهديد الحوثي”.
هذه المغازلات الممنهجة برعاية إماراتية مهدت الأرضية لتنسيق ميداني واستخباراتي عالي المستوى تجاوز الكلمات إلى الأفعال؛ حيث كشفت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية ونقله عنها بالتفصيل موقع “عربي 21” الإخباري، عن زيارة وفد من منتدى الشرق الأوسط يضم الصحفي والكاتب الإسرائيلي البريطاني “جوناثان سباير” برفقة الباحث الأمريكي مايكل روبين إلى العاصمة المؤقتة عدن في منتصف يوليو (تموز).
الزيارة رُتبت وأُشرف عليها بالكامل من قِبل المجلس الانتقالي الجنوبي، واستُقبل الوفد في مقر الهيئة الوطنية للإعلام الجنوبي بحضور قيادات بارزة، وتضمن البرنامج جولات ميدانية تفقدية في مناطق جبهات القتال بمحافظة الضالع (مسقط رأس الزبيدي) برفقة قادة ميدانيين من قوات الانتقالي. بناءً على هذا التسلسل الزمني الموثق، تكتسب التقارير الاستخباراتية الصادرة عن موقع “شيبا إنفليجنس” (Sheba Intelligence) البريطاني، والتي كشفت عن قيام الزبيدي بزيارات وتنسيقات سرية غير معلنة مع جهات إسرائيلية، مصداقية بالغة وترسم واقعاً حتمياً بأن الخطوات تتسارع خلف الكواليس.
إن هذه التحركات المشبوهة تأتي في وقت يعيش فيه المجلس الانتقالي أزمة وجودية خانقة بعد أن تمت إحالته رسمياً وتجريده من الغطاء السياسي، وتثبيت ملفات وجرائم جسيمة بحق زعيمه عيدروس الزبيدي الذي بات مصنفاً كفارّ وهارب من وجه العدالة حتى اليوم. وأمام هذا العجز السياسي والقانوني، لم يجد الزبيدي وفصيله سوى الهروب إلى الأمام عبر تحريك أدوات التمرد والفوضى؛ حيث يستمر أنصاره وبقايا فصيله المسلح في ممارسة تمرد علني سافر ضد الحكومة الشرعية، مستخدمين تكتيكات خبيثة تقوم على دفع المواطنين البسطاء للتظاهر في الساحات، وافتعال الأزمات المعيشية، واستغلال الأوجاع الشعبية كوقود لزعزعة الأمن والاستقرار داخل العاصمة المؤقتة عدن.
إنها مراهقة سياسية وانتحار استراتيجي قفز فوق المحيط الإقليمي والانسلاخ التام من الحضن العربي والإسلامي، متوهمين أن صك الغفران والشرعية يمنحه أعتى احتلال استيطاني في التاريخ الحديث؛ فالارتماء في أحضان “تل أبيب” ليس مصدر قوة، بل إفلاس يضع أصحابه في خندق التناقض الفاضح مع النسيج الاجتماعي لجنوب اليمن، الذي طالما تنفس القضية الفلسطينية وقدم قوافل الشهداء دفاعاً عنها…

هل يعكس موقف الشرعية الصامت عجزاً إدارياً وفشلاً في حكم الدولة؟
بكل تأكيد، إن وقوف الحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي موقف المتفرج أمام فصيل سياسي وعسكري تمت إحالته وتثبيت ملفات جنائية ضد زعيمه الهارب من العدالة، لا يمكن تفسيره إلا كدليل صارخ على الفشل الإداري والسياسي الذريع. إن عجز الدولة عن بسط سيادتها وهيبتها داخل عاصمتها المؤقتة عدن، وترك الشارع نهباً لمليشيات تحرك المواطنين للتظاهر والشغب وتجاهر بالولاء للكيان الصهيوني، يجرّد هذه الشرعية من مبرر وجودها القانوني والدستوري.
إن الدستور اليمني والقوانين النافذة (وعلى رأسها قانون مقاطعة الكيان الصهيوني رقم 21 لعام 1980 وقانون العقوبات) تفرض على السلطة التنفيذية استخدام أدوات القوة القانونية والميدانية لحسم التمرد وملاحقة الفارين من العدالة. وبناءً على قانون الصحافة لعام 1990، فإن فضح هذا التراخي الإداري يقع في قلب رسالة الصحافة الرقابية؛ فالالصمت الحكومي هنا ليس مجرد “دبلوماسية أو حكمة”، بل هو تخلٍّ صريح عن واجب حماية الأمن القومي اليمني، وإقرار علني بالعجز عن إدارة الدولة وحفظ تماسك جغرافيتها أمام أطماع فصيل يبيع السيادة لمن يدفع الثمن.
ـ لماذا تتساهل السعودية مع هذا الوضع رغم خطورته المباشرة على أمنها؟
يمثل الموقف السعودي الحالي علامة استفهام كبرى تثير حيرة الشارع اليمني؛ فالأمر يعني الرياض بشكل مباشر، كون عسكرة السواحل اليمنية والممرات المائية في خليج عدن وباب المندب، ودخول أصابع صهيونية إلى عمق الجغرافيا اليمنية برعاية بقايا الفصيل المتمرد، يعد تهديداً وجودياً مباشراً للأمن القومي للمملكة والخليج العربي ككل. ومع ذلك، يمكن تفكيك هذا التساهل السعودي عبر زاويتين تحليليتين:
الأولى..
(الرغبة في الخروج الصامت):
تتمثل في استراتيجية السعودية الحالية التي تسعى بأي ثمن لإنهاء كابوس الحرب في اليمن وإغلاق هذا الملف عبر تسوية سياسية تضمن حماية حدودها المباشرة، وهو ما يجعلها تتجنب الدخول في صدام عسكري مباشر أو اتخاذ قرارات حاسمة ضد فصائل الانتقالي المدعومة إماراتياً، خوفاً من تفجير الوضع داخلياً وإفشال مسار التهدئة وصناعة السلام التي تقودها.
الثانية ..
(الوقوع في فخ التوازنات المعقدة): تجد الرياض نفسها مقيدة بحسابات التحالف والشراكة مع دولة الإمارات (الداعم الأساسي للانتقالي).
هذا التردد في حسم الأمور وملاحقة الفارين من العدالة كعيدروس الزبيدي، واعتماد سياسة “تجميد الأزمات” بدلاً من حلها، يمنح المتمردين فرصة ذهبية لالتقاط الأنفاس، ومواصلة حشد الشارع، والتمادي في مغازلة إسرائيل؛ مما يجعل المملكة تدفع ضريبة هذا التساهل مستقبلاً حين تجد أن المخططات الصهيونية قد فرضت شروطها وخيوطها الاستخباراتية على ضفاف بحر العرب وباب المندب، مستغلةً غياب الحسم وصمت الحلفاء…

إن الاستقراء الدقيق لهذا المسار الممتد من الغزل الإعلامي في القنوات الدولية إلى التنسيق الاستخباراتي الميداني على الأرض، يضع القضية اليمنية برمتها أمام استحقاق مصيري لا يحتمل التأجيل أو المواربة. لم تعد المعركة مجرد خلاف سياسي حول شكل الدولة أو تقاسم السلطة، بل تحولت إلى معركة وجودية تمس الهوية والدين والأمن القومي لأبناء هذه الأرض…

ولأن الصحافة الحرة هي صوت الشعب وسياج الثوابت، فإننا لا نملك ترف الصمت أو تمرير هذا التسويف المخزي، ونضع هذه التساؤلات الصادمة والمباشرة أمام ضمير الرأي العام، وطاولة صناع القرار، لعلها تحرك ما ركد من مياه وطنية وقومية:
– إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية:
كيف تسمحون لكيان تمت إحالته وتجريده من الغطاء السياسي، ويثبت القضاء ملفات جنائية بحق زعيمه الهارب من العدالة، أن يستمر في اختطاف العاصمة المؤقتة عدن، وتحريك الشارع لزعزعة الأمن، بل والتجرؤ على فتح قنوات اتصال مع الكيان الصهيوني؟ ألا يعكس صمتكم وتأجيلكم للمواجهة فشلاً إدارياً ذريعاً وإقراراً ضمنياً بالعجز عن حماية الدستور وقانون مقاطعة إسرائيل رقم 21 لعام 1980؟
– إلى قيادة تحالف دعم الشرعية (المملكة العربية السعودية):
إلى متى سيستمر هذا التساهل المريب مع فصيل متمرد يستغل ملف السلام لمد خطوط استخباراتية وعسكرية مع تل أبيب؟ ألا ترون أن غض الطرف عن عسكرة السواحل والممرات المائية في خليج عدن وسقطرى وباب المندب لصالح أجندات صهيونية، يمثل طعنة في ظهر الأمن القومي للمملكة والخليج العربي قبل اليمن؟ وهل هكذا تُدار حسابات التوازنات الإقليمية؟

– إلى أبناء المحافظات الجنوبية الأحرار وقواهم الحية:
هل ترضون أن تُختزل تضحياتكم وقضيتكم العادلة وتاريخكم النضالي المشرف في سوق النخاسة السياسية لتكونوا مجرد “حليف ميداني” لحماية مصالح الاحتلال الإسرائيلي؟
وكيف تسمحون لتيار أفلس سياسياً واقتصادياً أن يدفع ببسطائكم إلى الساحات لإثارة الفوضى، بينما تذهب قياداته لتسليم شواطئكم وجزركم للصهيونية العالمية؟

– إلى الأمة العربية والإسلامية برمتها:
هل ننتظر حتى نستيقظ يوماً على قواعد صهيونية رسمية تفرض شروطها وتتحكم بالملاحة الدولية في بحر العرب والمحيط الهندي تحت لافتة “فصيل يمني ضل الطريق”؟ أم أن التحرك لحماية خاصرة الجزيرة العربية بات واجباً قومياً يتجاوز حسابات السياسة الضيقة؟
والإجابة على هذه الأسئلة لن تكون بالكلمات والبيانات الباردة؛ بل بالمواقف الحازمة والأفعال الميدانية التي تعيد الأمور إلى نصابها، وتطهر تراب اليمن الطاهر من دنس أي اختراق صهيوني، وتضع حداً لتمردٍ اقتات على أوجاع الناس وباع عروبته في أروقة العمالة الدولية.
#تفكيك
#قراءة_اعمق_للأحداث

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى