هندسة العزل: هل يُمهد ترامب لـ “غزو برّي” عبر تقطيع أوصال إيران ؟

#تفكيك
شهدت الجولات الأخيرة من الضربات العسكرية التي وجهتها امريكا ضد إيران تحولاً دراماتيكياً في بنك الأهداف المرسومة، فلم يعد التركيز الأمريكي مقتصراً على المنشآت النووية أو القواعد العسكرية التقليدية ومراكز القيادة، بل انتقل الثقل الأكبر للعمليات نحو البنية التحتية اللوجستية والشرايين الحيوية للدولة الإيرانية، مستهدفاً بشكل مركز الجسور، الطرق السريعة الرابطة، وشبكات السكك الحديدية الحيوية. هذا التحول النوعي يطرح تساؤلاً استراتيجياً ملحاً وهو هل نحن أمام استراتيجية “فصل جراحي” تهدف فقط لقطع خطوط الإمداد وشل القدرات الدفاعية، أم أن واشنطن تُمهد بالفعل لخيار كان مستبعداً في السابق، وهو حسم المعركة عبر “تدخل بري”؟
في العلوم العسكرية، لا يُعد استهداف شبكات المواصلات مجرد رغبة في إحداث تدمير اقتصادي أو زيادة كلفة الحرب على الخصم، بل هو تطبيق حرفي وعميق لعقيدة “عزل ساحة المعركة”. تسعى الإدارة الأمريكية من خلال هذه الضربات إلى شل الحركة الداخلية الإيرانية وتفكيك القدرة على نقل القوات والتعزيزات السريعة بين المحافظات الشاسعة والمترامية الأطراف، فضلاً عن قطع خطوط الإمداد الإقليمية التي تربط إيران بامتداداتها الجغرافية الحيوية نحو العراق وسوريا، مما يمنع تدفق أي دعم عسكري أو لوجستي متبادل. والأهم من ذلك، فإن تقطيع الطرق يحرم طهران من ميزة “المناورة السريعة” ويجعل تحركات منظومات الصواريخ المحمولة وقوات الحرس الثوري بطيئة ومكشوفة تماماً أمام الطيران المسير والاستطلاع الجوي للأقمار الصناعية.
هذا التكتيك يعيد إلى الطاولة فرضية “الحسم البري” التي لطالما تجنبتها الإدارات الأمريكية السابقة نظراً للطبيعة الجغرافية الجبلية الوعرة لإيران ومساحتها الشاسعة التي تجعل من فكرة الاحتلال الشامل انتحاراً عسكرياً ومقبرة للجيوش. ولكن، بالنظر إلى أسلوب ترامب الذي يميل إلى المفاجأة وحسم الملفات المعقدة بضربات قاضية، فإن التفكير العسكري هنا قد لا يتجه نحو “سيناريو العراق 2003″، بل نحو عمليات برية خاطفة ومحددة الأهداف ومحمية بعزل جغرافي كامل. إن إسقاط الجسور وتدمير السكك الحديدية التي تنقل الدروع الثقيلة يعني تحويل الأقاليم الإيرانية، خاصة الحدودية منها مثل خوزستان الغنية بالنفط أو المناطق الجبلية المحاذية للعراق، إلى “جزر معزولة” يسهل قضمها أو السيطرة عليها برياً دون خوف من وصول تعزيزات ضخمة من عمق العاصمة طهران.