تحليلات

رفض الطيران الأردني والتمسك بطهران: كيف يُغلب الحوثيون الحسابات الإيرانية على معاناة اليمنيين؟

 

#تفكيك

في خطوة تكشف بوضوح عن ترتيب الأولويات والولاءات لدى جماعة أنصار الله (الحوثيين) جاء الرفض الأخير لاستقبال طيران المملكة الأردنية، وتسيير رحلات إنسانية وتجارية من مطار صنعاء الدولي، ليضع علامات استفهام كبرى حول مدى ارتهان القرار السيادي للجماعة بالبوصلة الإقليمية لطهران. هذا الموقف الذي تزامن مع إصرار الجماعة المستميت على فتح الأجواء حصرياً أمام الرحلات القادمة من طيران “ماهان إير” الإيراني يعيد صياغة المشهد السياسي والإنساني في اليمن، ويثبت أن الجماعة مستعدة لتغليظ تداعيات الكارثة الإنسانية على المواطن اليمني مقابل تحقيق مكاسب ذات أبعاد إقليمية لا تخدم المصلحة الوطنية في شيء.

 

لطالما رفعت الجماعة شعار “المظلومية الإنسانية” واستخدمت إغلاق مطار صنعاء كورقة ضغط أساسية في المحافل الدولية وأمام المنظمات الحقوقية لاستدرار العواطف وتوجيه الاتهامات. إلا أن المقترح الأردني الأخير، والذي صُمم لتخفيف وطأة العزلة وبث الروح في المطار الحيوي لنقل المرضى والطلاب والمسافرين، أزاح الستار عن حقيقة مغايرة تماماً، حيث كشف هذا الرفض عن انتقائية واضحة في التعامل مع الملف الإنساني، مبيناً أن ملف المطار ليس إنسانياً بحتاً بنظر الجماعة، بل هو ورقة تفاوضية لانتزاع شرعية سياسية وخطوط إمداد مباشرة مع الحليف الإيراني، ليقع المواطن اليمني المغلوب على أمره ضحية مباشرة لهذا التسييس الفج الذي حوّل حقه الطبيعي في التنقل إلى رهينة للحسابات الجيوسياسية.

 

إن استماتة الحوثيين لربط مطار صنعاء بطهران تحديداً، ورفض البدائل العربية والإقليمية الأكثر قبولاً وأمناً للمسافر اليمني، يحمل دلالات استراتيجية وأمنية خطيرة؛ فالرفض الحوثي للمبادرة الأردنية ليس مجرد قرار إداري أو تنظيمي، بل هو انعكاس واضح لتقديم مصالح المحور الإيراني على الاحتياجات الأساسية للشعب اليمني. هذا الإصرار على الطيران الإيراني، الذي واجه عقوبات دولية سابقة لارتباطه بنقل الأسلحة والمستشارين والخبراء، يثير مخاوف مشروعة من محاولات تحويل مطار صنعاء من بوابة إنسانية لخدمة المدنيين إلى شريان دعم عسكري ولوجستي مباشر، فضلاً عن كونه يوجه رسالة صارمة للمجتمع الدولي بأن القرار في صنعاء بات يدار وفقاً لرغبات وأجندات طهران في المنطقة دون أي اعتبار لمعاناة الداخل اليمني.

 

ومع تراكم الأزمات المعيشية والاقتصادية في مناطق سيطرة الحوثيين بشكل غير مسبوق، من انقطاع الرواتب وتفشي الفقر والجبايات المستمرة، يأتي سد منافذ الأمل الإنسانية—مثل المبادرة الأردنية—ليشكل وقوداً حقيقياً لثورة غضب شعبية عارمة قد لا تتأخر كثيراً. إن هذا السلوك الإقصائي الذي يتعمد محاصرة المواطن من الداخل والخارج لحسابات خارجية يضع الجماعة في مواجهة مباشرة مع غليان الشارع الذي يرزح تحت الرماد؛ فالشعوب قد تصبر على شظف العيش، لكنها لا تصبر طويلاً على سلطة تتاجر بآلامها وترفض يد العون العربية الممدودة لإنقاذ أبنائها لمجرد إرضاء حليف خارجي. وفي نهاية المطاف، يؤكد تفكيك هذا المشهد أن إنهاء معاناة اليمنيين لن يبدأ إلا بتحرير القرار الوطني من التبعية، وإعادة الاعتبار للإنسان اليمني كأولوية قصوى فوق كل الاعتبارات والمحاور السياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى