# 86 ضربة على المخا.. لماذا يريد الحوثيون كسر هذه المدينة؟

#تفكيك
يمثل الاستهداف المكثف لمدينة وميناء المخا الساحلي، عبر إطلاق 86 صاروخًا ومسيّرة وزوارق مفخخة خلال أيام قليلة، وفق ما أعلنه المتحدث باسم المقاومة الوطنية، اللواء صادق دويد، مؤشرًا على تحول لافت في أسلوب جماعة الحوثي في إدارة المعركة، وكاشفًا في الوقت ذاته عن مأزق سياسي وعسكري تواجهه قوى الشرعية والتحالف الداعم لها.
فالهجوم المنسق لا يستهدف الجبهات العسكرية الميدانية فحسب، بل يطال أيضًا أعيانًا مدنية وبنى تحتية حيوية وخدمات أساسية للسكان، وهو ما يطرح تساؤلات ملحة حول دوافع الإصرار الحوثي على استهداف المخا، في مقابل أسباب التباين أو البطء في رد فعل منظومة الشرعية والتحالف، بما يبدو أحيانًا أقرب إلى سياسة ضبط نفس قد تقترب من حدود التساهل الخطر.
ولا شك أن الإصرار الحوثي على الضغط على المخا يرتبط، بدرجة كبيرة، بموقعها الجيوسياسي القريب من مضيق باب المندب. فمن خلال هذه الضربات، تسعى الجماعة، وفق هذه القراءة، إلى تعطيل أي نموذج للاستقرار والتنمية الاقتصادية في الساحل الغربي، وإرسال رسالة ردع مفادها أن أي متنفس اقتصادي أو مرفأ حيوي خارج سيطرتها يمكن أن يتحول إلى هدف، فضلًا عن محاولة إضعاف الرمزية العسكرية والسياسية لقوات المقاومة الوطنية التي تتولى حماية هذه البوابة الجنوبية الغربية.
كما أن الذاكرة العسكرية لجماعة الحوثي في الساحل الغربي لا تزال حاضرة. فقد تعرضت الجماعة لانكسارات عسكرية خلال عامي 2021 و2022 على أيدي قوات المقاومة الوطنية والتشكيلات المشتركة في الساحل الغربي، الأمر الذي جعل هذه الجبهة واحدة من أكثر الجبهات حساسية بالنسبة إليها.
وطتفسر تلك الخسائر جانبًا من الشراسة التي تتعامل بها الجماعة مع المخا اليوم. فالمسألة، وفق هذه القراءة، لا تتعلق فقط بتعطيل مرفأ اقتصادي، وإنما بمحاولة تقويض نموذج عسكري وأمني تمكن من تثبيت حضوره على الساحل، والحيلولة دون تحول المخا إلى مركز اقتصادي وأمني أكثر تأثيرًا في المعادلة اليمنية.
ومن هنا يمكن فهم تكثيف الضربات الصاروخية والمسيّرة باتجاه المدينة بوصفه محاولة لاستعادة زمام المبادرة وفرض معادلة جديدة، بدلًا من الاكتفاء بمواجهة عسكرية مباشرة على الأرض. فالاستهداف عن بُعد يتيح للحوثيين الضغط على البنية التحتية والاقتصاد المحلي، مع إبقاء تكلفة الانخراط البري المباشر محدودة.
في المقابل، يبدو التعاطي الرسمي من جانب الشرعية والتحالف محكومًا بحسابات إقليمية ودولية معقدة. فمن جهة، هناك رغبة في الحفاظ على مسارات التهدئة الهشة وتجنب الانجرار إلى حرب شاملة قد تقوض الجهود الدبلوماسية الإقليمية الرامية إلى خفض التوترات. ومن جهة أخرى، تتداخل حماية الساحل الغربي مع ترتيبات أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر، بما يجعل القرار العسكري المحلي مرتبطًا بإيقاع استراتيجي أوسع.
ولهذا، قد يكون التركيز في المرحلة الراهنة على الدفاع واحتواء الهجمات بدلًا من فتح مواجهة هجومية واسعة. غير أن استمرار هذا النهج يطرح سؤالًا جوهريًا حول الحدود التي يمكن أن تصل إليها سياسة ضبط النفس، خصوصًا إذا تحولت الهجمات المتكررة إلى وسيلة لفرض واقع جديد على الأرض.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع تحول المخا إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات يمنية وإقليمية ودولية. فالجماعة الحوثية لا تنظر إلى الميناء بوصفه منشأة محلية فحسب، وإنما باعتباره جزءًا من معادلة أوسع تتصل بالنفوذ والسيطرة على الساحل الغربي، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تحولات اقتصادية وسياسية وأمنية.
كما أن التردد في إشعال جبهة الساحل الغربي مجددًا قد يرتبط بمخاوف من استنزاف القدرات الدفاعية والعسكرية، في وقت تواجه فيه الحكومة اليمنية وحلفاؤها تحديات متعددة على جبهات أخرى، من مأرب إلى تعز. ومن هذا المنظور، فإن الدخول في معركة استنزاف صاروخية وبحرية طويلة قد يفرض كلفة مرتفعة، من دون ضمان تحقيق نتائج حاسمة.
وتتعمق الأزمة كذلك بسبب غياب رؤية عسكرية موحدة بين المكونات المنضوية تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي. فالحسابات السياسية والعسكرية المتباينة بين الأطراف قد تعيق صياغة استراتيجية موحدة للتعامل مع التهديد الحوثي، وهو ما يمكن أن تستفيد منه الجماعة عبر تركيز ضرباتها على نقاط القوة الاقتصادية الناشئة، وفي مقدمتها المخا، لإضعاف الثقة بإمكان قيام نموذج مستقر في المناطق الخاضعة للحكومة.
وفي ظل هذا المشهد، فإن استمرار الاستهدافات لا يهدد مدينة المخا وميناءها فحسب، بل يضع اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة اليمنية وشركائها الإقليميين والدوليين على حماية البنية التحتية المدنية والممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر.
فالسياسة القائمة على امتصاص الضربات قد لا تكون كافية على المدى الطويل إذا استمرت الجماعة الحوثية في تفسير ضبط النفس باعتباره غيابًا للكلفة. وكلما طال أمد الاستهداف من دون ردع فعال، ازدادت احتمالات تحول الهجمات من تكتيك عسكري إلى أداة لفرض معادلة سياسية واقتصادية جديدة.
ومن هنا، فإن تجاوز هذا المأزق يتطلب مقاربة سياسية وعسكرية أكثر وضوحًا. ويأتي في مقدمتها تعزيز التنسيق بين مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والتحالف والشركاء الإقليميين، وتطوير منظومة الدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية في الساحل الغربي، إلى جانب توحيد غرفة العمليات والتنسيق بين التشكيلات العسكرية بما يقلل الثغرات التكتيكية ويعزز القدرة على التعامل مع الهجمات المتكررة.
وسياسيًا، تبدو الحاجة قائمة إلى الانتقال من الاكتفاء بإدارة الأزمة إلى ممارسة ضغط دبلوماسي أكثر فاعلية، بحيث يصبح استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية الحيوية جزءًا أساسيًا من أي نقاش حول التسوية المقبلة. كما ينبغي الدفع باتجاه وضع أمن الملاحة والمنشآت الاقتصادية اليمنية ضمن أولويات المجتمع الدولي، بدل التعامل مع الهجمات باعتبارها مجرد أحداث أمنية منفصلة.
إن المخا ليست مجرد مدينة ساحلية أو ميناء تجاري؛ فهي تقع في نقطة حساسة من الجغرافيا اليمنية والإقليمية، وأي تهديد مستمر لها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها المحلية. ولذلك، فإن حماية المخا لا ينبغي أن تُختزل في رد عسكري على هجوم هنا أو ضربة هناك، بل يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية الاقتصاد اليمني، وتأمين الساحل، ومنع تحويل الممرات البحرية والمنشآت المدنية إلى أوراق ضغط في الصراع السياسي والعسكري.
والتحدي الحقيقي أمام الشرعية وحلفائها ليس فقط كيفية صد الهجمات، وإنما كيفية بناء معادلة تجعل استهداف المخا مكلفًا سياسيًا وعسكريًا، وتمنع تحويل سياسة الاستنزاف إلى وسيلة لفرض واقع جديد على الساحل الغربي.



