رسائل المالكي… ما الذي قيل بين السطور في تصريحاته

رسائل المالكي… ما الذي قيل بين السطور في تصريحاته؟
تفكيك- مقالة رأي
📌تنويه: هذا المقال يمثل قراءة تحليلية ورأي لكاتب المقال استنادًا إلى التصريحات الواردة في تقرير قناة العربية، ولا يعبر عن رأي قناة العربية….
ليس جديدًا على اليمنيين أن يعيشوا على وقع الأزمات، لكن الجديد أنهم أصبحوا يبحثون عن ملامح المستقبل في نبرة التصريحات أكثر مما يبحثون عنها في بيانات الحكومات. فعندما أكد اللواء الركن تركي المالكي، في تصريحات نقلتها قناة العربية، أن المملكة العربية السعودية سترد على أي محاولة تستهدف أمنها، لم يكن ذلك، في تقديري، مجرد إعلان عن موقف دفاعي، بل تصريحًا فتح بابًا واسعًا للتساؤلات. فهل كانت الرسالة موجهة إلى الحوثيين وحدهم؟ أم أن الرياض أرادت، في توقيت بالغ الحساسية، أن تُسمع الداخل اليمني أيضًا أن مرحلة الصبر الاستراتيجي لا تعني غياب الخيارات؟
في السياسة، لا تكون الرسائل الأكثر أهمية هي تلك التي تُقال بصوت مرتفع، بل تلك التي تُفهم بين السطور. ولهذا لم أتعامل مع تصريحات اللواء الركن تركي المالكي الأخيرة بوصفها مجرد رد على تهديدات الحوثيين، بل باعتبارها خطابًا يحمل أكثر من رسالة، وأكثر من متلقٍ.
الوقائع واضحة…
المالكي وصف تهديدات الحوثيين بأنها محاولة للهروب من أزماتهم الداخلية، وتغطية على الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة بحق اليمنيين، وذكر بأن المملكة دعمت مسارات التسوية وخارطة الطريق، بينما رفضتها الجماعة، قبل أن يؤكد أن أي تهديد لأمن السعودية سيواجه بحزم.
هذه ليست قراءة شخصية، بل مضمون التصريحات المعلنة.
لكن السياسة لا تتوقف عند ظاهر الكلمات.
من يتابع الملف اليمني يومًا بيوم يدرك أن الرياض لم تعتد في السنوات الأخيرة استخدام لغة مرتفعة السقف إلا عندما تريد تثبيت رسالة تتجاوز الحدث المباشر.
ولهذا أعتقد أن الخطاب الأخير لم يكن موجهًا إلى الحوثيين وحدهم، بل إلى الداخل اليمني أيضًا؛ إلى الحكومة، وإلى مجلس القيادة الرئاسي، وإلى الشارع الذي أصبح يقرأ المواقف السعودية بقدر ما يقرأ تطورات الجبهات.
ما لفت الإنتباه تحديدًا أن المالكي لم يكتفِ بالحديث عن التهديد العسكري، بل أعاد التركيز على مسؤولية الحوثيين عن الأزمة الاقتصادية، وعن معاناة اليمنيين، وعن رفضهم لخارطة الطريق، وعن استهدافهم للملاحة في البحر الأحمر، وهي ملفات تتجاوز الرد العسكري المباشر إلى إعادة بناء الرواية السياسية للصراع.
هنا يبدأ التحليل، لا الخبر.
نرى أن السعودية تدرك أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة. ما بعد اضطرابات البحر الأحمر ليس كما قبلها، وما بعد التحولات الإقليمية ليس كما سبقها. ولذلك فإن إعادة رفع سقف الخطاب قد تكون رسالة استباقية لإعادة رسم خطوط الردع، وقد تكون أيضًا تهيئة للرأي العام إذا فُرضت معادلات جديدة. لا أقول إن قرارًا عسكريًا قد اتُّخذ، فليس في التصريحات ما يثبت ذلك، لكنني أقول إن اللغة السياسية كثيرًا ما تسبق القرار، وتمهّد له إن جاء، أو تستخدمه أداة ضغط إن لم يأتِ.
ولهذا لا نستبعد أن تكون الرسالة موجهة كذلك إلى القوى اليمنية الشرعية. فسنوات الانتظار أفرزت حالة من الترقب داخل المؤسسات الرسمية، وأصبح الجميع يبحث عن إشارة تدل على اتجاه البوصلة. وعندما تصدر من الرياض لهجة أكثر حزمًا، فإنها تُقرأ في عدن ومأرب وتعز كما تُقرأ في صنعاء؛ لأن تأثيرها سياسي قبل أن يكون إعلاميًا.
قد يعترض البعض على هذا الاستنتاج، ويقول إن التصريحات لا تعدو كونها ردًا طبيعيًا على تهديدات الحوثيين. وهذا احتمال قائم بالفعل. لكن القراءة السياسية لا تكتفي بما قيل، بل تسأل: لماذا قيل الآن؟ ولماذا اختيرت هذه المفردات تحديدًا؟ ولماذا جرى التأكيد على الرفض الداخلي الذي تواجهه الجماعة، وعلى فشلها في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، إلى جانب التشديد على حماية أمن المملكة؟ هذه الأسئلة هي التي تمنح الخطاب معناه السياسي، لا الكلمات وحدها.
اليمن اليوم ليس بحاجة إلى تضخيم التوقعات، ولا إلى صناعة أوهام جديدة. لكنه أيضًا ليس مطالبًا بتجاهل الإشارات عندما تصدر من لاعب إقليمي ظل طوال سنوات الطرف الأكثر تأثيرًا في مسار الأزمة.
وبين المبالغة في التفاؤل، والإفراط في التشاؤم، تبقى القراءة الهادئة هي الأكثر احترامًا للوقائع. لذلك، لا أزعم أن تصريحات المالكي إعلان عن مرحلة عسكرية جديدة، لكنني أراها، على الأقل، إعلانًا عن لغة جديدة، واللغة في السياسة ليست تفصيلًا عابرًا؛ إنها غالبًا أول خطوة في الطريق، حتى وإن ظل اتجاه ذلك الطريق رهنًا بما ستكشفه الأيام القادمة.
✒️ بشير الجُـمَيلي

