السؤال المركزي
هل يمثل القرار رقم (188) إعادة تنظيم عسكرية ضرورية لاستعادة جبهة الساحل الغربي، أم أنه يعيد إنتاج التشكيلات الموازية للدولة تحت وصاية إقليمية مباشرة؟ ومن المستفيد فعلياً: طارق صالح، أم السعودية، أم القوى التهامية التي طالبت منذ سنوات باستقلالها؟
الخلاصة التنفيذية
في الدول، إذا سقطت جبهة فُتح تحقيق. في اليمن، فُتح تشكيل عسكري جديد. لم تجف بعد صور النازحين من المخا، ولم يصدر تفسير رسمي لكيفية انهيار الساحل، حتى أصدر طارق صالح القرار رقم (188) لسنة 2026 بتشكيل «قوة المقاومة التهامية» من الفرقتين الأولى والثانية للمقاومة الوطنية، ومنحها استقلالية تامة مالياً وإدارياً وعملياتياً، وربطها مباشرة بالعمليات المشتركة للتحالف، مع تأجيل تحديد نطاق عملها.
يقدّر المركز أن القرار سياسي بلباس عسكري، وأن وظيفته الأرجح هي إنقاذ الكتلة البشرية والعسكرية التهامية من انهيار المظلة التي كانت تعمل تحتها، وإعادة ربطها بقناة تمويل وقيادة تقودها الرياض. لكنه، خلافاً للقراءة التي تراه إنقاذاً صافياً لطارق صالح، يحمل أيضاً معنى احتوائه: فالفرقتان خرجتا رسمياً من قيادته المباشرة، فيما أبقى تعيين اللواء زايد منصر، وهو قائد من داخل بنية المقاومة الوطنية، باب النفوذ غير المباشر مفتوحاً. القرار، بهذا المعنى، لا يغير لافتة القوة فحسب؛ بل يعيد توزيع ملكيتها بين طارق والقيادة السعودية والفاعلين التهاميين.
توقيت القرار هو أقوى قرائنه. فقد صدر بعد ساعات من وصول طارق صالح إلى الرياض لمناقشة المستجدات الميدانية، وبعد أيام من إعلانه أن إعادة تجميع قوات الساحل تجري بالتشاور مع التحالف ومجلس القيادة.
كما تفيد معلومات ميدانية تلقاها المركز بأن الخطوة أعقبت لقاءات مع ضباط سعوديين، لا يستطيع المركز التحقق من مضمون تلك اللقاءات من مصادر مفتوحة، ولم يصدر تأكيد سعودي أو بيان عن رئاسة مجلس القيادة أو وزارة الدفاع؛ لذلك فإن التنسيق مع التحالف مؤكد بالنص والتوقيت، أما نسبة القرار كله إلى الرياض فمرجحة وليست حقيقة مكتملة. وصول طارق إلى الرياض إعادة التجميع بالتشاور مع التحالف
المشكلة الأعمق ليست في هوية القائد الجديد، بل في موقع القوة من الدولة. القرار لا يذكر وزارة الدفاع أو رئاسة هيئة الأركان، ويمنح التشكيل استقلالاً كاملاً ثم يضع تبعيته العملياتية خارج سلسلة القيادة الوطنية.
وهذا يناقض، في الاتجاه على الأقل، إعلان نقل السلطة لعام 2022 الذي جعل إدارة الدولة عسكرياً وأمنياً من اختصاص مجلس القيادة، وحصر القيادة العليا للقوات المسلحة برئيسه، ونص على تكامل القوات تحت هيكل وطني موحد. وعليه، يبدو القرار معيباً من حيث الاختصاص وقابلاً للطعن السياسي والقانوني، وإن كان الحكم ببطلانه يحتاج إلى موقف رسمي أو مراجعة قانونية مختصة. إعلان نقل السلطة
قد يمنح هذا الترتيب الرياض أداة محلية أسرع لإعادة بناء دفاعات الساحل، وقد يستجيب جزئياً لمطلب تهامي قديم بالاستقلال عن طارق. لكنه يرسخ في الوقت نفسه قاعدة شديدة الخطورة: كلما انهارت جبهة، عولجت الهزيمة بتفريخ قوة جديدة لا بإصلاح الجيش.
وإذا استمرت هذه القاعدة فلن يكون اليمن أمام جيش متعدد الوحدات، بل أمام وحدات متعددة تتصرف كجيوش، لكل منها ممولها واسمها وغرفة عملياتها.
أولاً: ما الذي حدث فعلاً؟
الثابت حتى وقت إعداد هذا التقدير أن طارق صالح، بصفته عضواً في مجلس القيادة وقائداً للمقاومة الوطنية، أصدر في 13 سبتمبر القرار رقم (188). والنص المنشور يتضمن أربع نقاط جوهرية: اقتطاع الفرقتين الأولى والثانية من المقاومة الوطنية؛ تشكيل قوة مستقلة باسم «المقاومة التهامية»؛ تعيين اللواء زايد منصر قائداً لها؛ وربطها مباشرة بالعمليات المشتركة للتحالف، مع ترك نطاق عملها ليُحدد لاحقاً.
المصدر الأصلي للنص هو الإعلام التابع للمقاومة الوطنية، ثم نقلته وسائل إعلام أخرى؛ ولم ينشر حتى مساء الأحد كقرار جمهوري أو قرار صادر عن مجلس القيادة أو وزارة الدفاع.
والثابت أيضاً أن القرار لم ينشئ مقاتلين أو ألوية من العدم. لقد أعاد تصنيف قوة قائمة ومنحها شخصية سياسية وعسكرية جديدة. وحتى التقارير التي تحدثت عن ثمانية ألوية داخل التشكيل لم تستند إلى تفصيل وارد في النص المنشور، الذي اكتفى بذكر فرقتين. لذلك فعبارة «تشكيل قوة جديدة» تحتاج إلى ضبط: الجديد هو الاستقلال والتبعية والاسم؛ أما الرجال والسلاح والقيادات فمعظمهم من البنية السابقة.
جاء القرار بعد استيلاء الحوثيين على المخا وتقدمهم على الساحل ومواقع قريبة من باب المندب، وهو تطور أكدته مصادر حكومية يمنية وتقارير دولية.
وتقول رويترز إن سيطرة الحوثيين على الساحل ومواقع مطلة على المضيق أعادت تشكيل ميزان القوة، ورفعت مستوى التهديد لخطوط تصدير النفط السعودية عبر البحر الأحمر. هذه البيئة تفسر استعجال الرياض البحث عن قوة برية محلية تستطيع ضبط الشاطئ، ولا تثبت وحدها أنها كتبت القرار. رويترز
ثانياً: القرار جاء بعد خسارة الجغرافيا
كان يمكن فهم إنشاء قيادة تهامية قبل الهجوم باعتباره استعداداً لحرب محلية تحتاج إلى أبناء الأرض. أما إنشاؤها بعد سقوط المخا وانكماش القوات جنوباً فيجعلها استجابة للهزيمة لا استعداداً لها. القوة الجديدة تحمل اسم المنطقة التي خرجت منها؛ وهذه هي مفارقة القرار وأحد مفاتيح فهمه.
لقد فقد عنوان «المقاومة الوطنية» جزءاً كبيراً من وظيفته السياسية يوم فقد مركزه الجغرافي في المخا. كان الاسم يوحي بمشروع يتجاوز الساحل نحو صنعاء، بينما أصبحت الحاجة العاجلة هي الدفاع عن تهامة وباب المندب وإعادة تجميع المقاتلين النازحين من جبهاتهم. هنا أصبح الاسم المحلي أكثر فائدة من الاسم الوطني: فهو يعيد تعريف المقاتل بوصفه صاحب أرض لا جندياً في مشروع قائد تعرض لهزيمة، ويمنح التعبئة المقبلة سردية أبسط وأكثر قدرة على اجتذاب أبناء الحديدة.
لكن الاسم ليس زياً عسكرياً يمكن خلعه وارتداؤه بقرار. «المقاومة التهامية» لها تاريخ سابق على وصول طارق صالح إلى الساحل. وقد نشأت منذ عام 2015 بقيادة عبدالرحمن حجري، ثم ظهرت خلافات حول قيادتها ومرجعيتها. ولهذا لم يكن رد الفعل التهامي واحداً: العميد سليمان يحيى منصر، القائم بأعمال قائد الفرقة الأولى، بارك الاستقلال مع التشديد على أن المقاومة سبقت المقاومة الوطنية ولم تكن تنتظر قراراً يمنحها الوجود. في المقابل، رفض سمير المندعي وآخرون حق طارق في إعادة تأسيسها أو فرض قائد عليها، وقالوا إن العميد أحمد غانم يقودها بتوافق غالبية قيادات الألوية. موقف سليمان منصر الاعتراضات التهامية
إذن، لا توجد «إرادة تهامية» واحدة يمكن للقرار ادعاء تمثيلها. يوجد تيار يرى في الاستقلال مكسباً مهما كان مصدره، وتيار يرى أن طارق يستولي على اسم وتاريخ لا يملكهما، وقيادات قد تقبل القائد الجديد لأنها تحتاج إلى الرواتب والسلاح. وفي الحروب الطويلة، لا يحسم النسب التاريخي وحده هوية القوة؛ يحسمها أيضاً من يملك الكشوف والذخيرة والراتب.
ثالثاً: أربع وظائف للقرار
الوظيفة الأولى: امتصاص مسؤولية الهزيمة. حين تتحول فرقتان إلى قوة مستقلة، تصبح خسائر الأمس موزعة بين تشكيلات متعددة، ويصبح ممكناً القول إن المشكلة كانت في البنية القديمة وقد جرى إصلاحها. لكن إعادة الهيكلة قبل التحقيق قد تتحول إلى وسيلة لطمس سلسلة الأوامر: من قرر الانسحاب؟ أين تعطلت الاتصالات؟ من ترك الثغرات؟ ولماذا لم توجد قيادة واحدة لأربع قوى كانت تقاتل على جبهة واحدة؟
الوظيفة الثانية: توطين الحرب. اسم «تهامة» ينقل عبء المعركة من مشروع طارق صالح إلى مجتمع المنطقة. وهذا يمنح القوة شرعية تجنيدية لا توفرها لافتة حراس الجمهورية، لكنه يحمل مخاطرة أخلاقية وسياسية: أن تتحول الهوية المحلية إلى مورد تعبئة تدفع تهامة ثمنه، فيما يبقى القرار والتمويل خارجها.
الوظيفة الثالثة: تثبيت قناة التمويل والقيادة. الاستقلال المالي والإداري ليس عبارة فنية. إنه يعني إنشاء كشف ورواتب وإمداد وقرار تعيين منفصل. وربط القوة مباشرة بالعمليات المشتركة يجعل الممول الإقليمي أقرب إلى الجندي من وزارة دفاع بلاده. قد يرفع ذلك سرعة الاستجابة مؤقتاً، لكنه يحول القوة إلى أداة تعاقد أمني أكثر منها وحدة في جيش وطني.
الوظيفة الرابعة: إعادة توزيع النفوذ داخل معسكر التحالف. ارتبطت المقاومة الوطنية تاريخياً بدعم إماراتي، بينما صدر القرار من الرياض وربط القوة بغرفة عمليات التحالف الذي تقوده السعودية. لا توجد أدلة كافية على صدام سعودي ـ إماراتي حول القوة، لكن نقل وحدات تهامية إلى قناة قيادة أقرب إلى الرياض قد يعني تقليص الاعتماد على مظلة طارق القديمة، أو بناء أداة سعودية موازية على الساحل. درجة اليقين في هذا الاستنتاج متوسطة إلى منخفضة، وينبغي اختباره عبر مصدر الرواتب والسلاح والضباط المشرفين، لا عبر الشعارات.
رابعاً: هل القرار ينقذ طارق صالح أم يقلصه؟
الجواب الأدق: يفعل الأمرين بقدرين مختلفين. فهو ينقذ ما تبقى من قوته من التفكك الكامل، ويمنحه فرصة القول إنه بادر إلى الإصلاح. كما أن تعيين زايد منصر، الذي قاد محور الحديدة واللواء السابع حراس الجمهورية داخل بنية المقاومة الوطنية، يحفظ لطارق جسراً إلى القيادة الجديدة.
لكنه في المقابل يتخلى رسمياً عن فرقتين وعن السيطرة المباشرة على مالها وعملياتها. وإذا أصبحت الرواتب والأوامر تأتي من غرفة التحالف، فإن النفوذ الحقيقي سينتقل تدريجياً إلى الجهة التي تدفع وتسلح وتحدد الجغرافيا. لذلك قد يكون القرار تسوية تحفظ ماء وجه طارق فيما يجري تفكيك جزء من منظومته، لا خطة لإعادة إنتاجها كاملة.
وتكتسب عبارة «يحدد نطاق عملها لاحقاً» أهمية خاصة. فالقرار عيّن القائد وحدد الممول قبل أن يحدد الأرض والمهمة. وهذا ترتيب مقلوب عسكرياً، لكنه مفهوم سياسياً: الاتفاق على أداة القوة سبق الاتفاق على أين تستخدم. وقد يعني ذلك أن الرياض لم تحسم بعد هل ستدفع بها نحو جبهة استعادة الساحل، أم تثبتها في رأس العارة والمضاربة وباب المندب، أم تلحقها لاحقاً بالمنطقة العسكرية الرابعة. وهناك ادعاء صحفي بأن التحالف سبق أن وجه بإلحاق ألوية تهامية بالمنطقة الرابعة، لكنه لم يتأكد من مصدر رسمي، ويتعارض ظاهرياً مع نص التبعية المباشرة للتحالف؛ وهذا التعارض نفسه دليل على أن الصيغة النهائية لم تستقر بعد.
خامساً: الثغرة القانونية ليست هامشاً
يمكن الدفاع عن القرار باعتباره أمراً تنظيمياً داخلياً أصدره طارق بصفته قائداً للمقاومة الوطنية لإعادة ترتيب وحدات كانت تتبعه. ولو توقف عند إعادة توزيع الألوية داخل القوة لكان هذا الدفاع قابلاً للنقاش. لكن النص تجاوز التنظيم الداخلي إلى إنشاء قوة مستقلة مالياً وإدارياً وعملياتياً، وتغيير سلسلة تبعيتها إلى جهة خارج مؤسسات الدولة.
إعلان نقل السلطة ينص على المسؤولية الجماعية لأعضاء مجلس القيادة، ويجعل إدارة الدولة عسكرياً وأمنياً من اختصاص المجلس، ويحصر القيادة العليا للقوات المسلحة برئيس المجلس، ويحدد آلية لإصدار القرارات بالتوافق أو التصويت، ثم يكلف الرئيس بإنفاذها. كما جعل توحيد القوات وإنهاء انقسامها تحت قيادة وطنية واحدة هدفاً صريحاً. لا يمنح الإعلان كل عضو سلطة مستقلة لإنشاء جيش وتحديد تبعيته. ومن ثم، فإن الصفة السياسية لطارق لا تكفي وحدها، وصفته قائداً للمقاومة الوطنية لا تمنحه صلاحية إخراج وحدات من السلسلة الوطنية وربطها بقوة خارجية.
وحتى إذا صادق مجلس القيادة لاحقاً على القرار، فلن تختفي المشكلة كلها؛ ستنتقل من سؤال «من يملك الصلاحية؟» إلى سؤال «لماذا تقر الدولة قوة لا تتبعها؟». فالتحالف يستطيع أن يدعم وينسق ويوفر الإسناد، لكنه لا ينبغي أن يحل محل وزارة الدفاع وهيئة الأركان في السيادة على القوة اليمنية.
سادساً: مصالح الأطراف
تريد السعودية قوة محلية سريعة، قابلة للتمويل والتوجيه، تحمي باب المندب وتمنع انتقال الضغط الحوثي إلى حدود الطاقة والملاحة. وهي لا تملك ترف انتظار إصلاح شامل لوزارة الدفاع، خصوصاً بعدما أصبح الساحل اليمني جزءاً مباشراً من أمن صادراتها. غير أن ما تشتريه الرياض سرعةً اليوم قد تدفع ثمنه غداً نفوذاً مسلحاً جديداً يملك حق الاعتراض على الدولة.
يريد طارق صالح الحفاظ على الرجال والسلاح والصفة السياسية بعد خسارة مركز مشروعه. ويمنحه القرار فرصة إعادة التموضع من قائد جبهة مهزومة إلى راعٍ لإعادة الهيكلة، لكنه قد يكون بداية تقليص سلطته المباشرة.
تريد القيادات التهامية اعترافاً مستقلاً بوجودها وحقها في قيادة قتال منطقتها. لكن انقسامها على القيادة والمرجعية يجعلها معرضة لأن يتحول مطلب الاستقلال إلى تبعية جديدة، وأن يصبح خلافها على الاسم مدخلاً لانقسام المقاتلين.
تستفيد الحكومة ووزارة الدفاع فقط إذا تحولت الخطوة إلى مرحلة انتقالية تنتهي بالدمج. أما الصمت، فيعني قبولاً عملياً بأن الدولة لم تعد صاحبة القرار العسكري، وأن مجلس القيادة مجرد مظلة سياسية لجيوش أعضائه.
أما الحوثيون، فهم المستفيد المباشر من أي صراع على الكشوف والقيادة والاسم. فكل أسبوع يُهدر في إعادة توزيع الولاءات يمنحهم وقتاً لتحصين المخا والساحل، وبناء شبكات أمنية محلية، وتحويل التقدم العسكري إلى سلطة مستقرة.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: إعادة بناء سعودية مباشرة لجبهة الساحل — الأرجح
تتحول القوة إلى تشكيل ممول وموجه من العمليات المشتركة، مع بقاء نفوذ محدود لطارق عبر زايد منصر، وتتمركز بداية في رأس العارة والمضاربة ومداخل باب المندب قبل تكليفها بعمليات استنزاف أو هجوم مضاد. وقد يلتزم مجلس القيادة ووزارة الدفاع الصمت، أو يمنحان القرار غطاءً لاحقاً تجنباً للصدام مع الرياض.
مؤشراته: بدء رواتب أو تسليح عبر قناة سعودية؛ وصول ضباط ارتباط؛ صدور قبول من معظم قادة الألوية؛ تحديد نطاق ساحلي للقوة؛ وظهور زايد منصر في اجتماعات قيادة التحالف أكثر من اجتماعات وزارة الدفاع.
السيناريو الثاني: انقسام تهامي وتحوّل القوة إلى عنوان متنازع عليه — محتمل
ترفض قيادات مرتبطة بأحمد غانم أو بالمنطقة العسكرية الرابعة الانضمام، وتنقسم الوحدات والكشوف بين مرجعيتين أو ثلاث. عندها يبقى قرار طارق إعلاناً سياسياً أكثر منه بنية عملياتية، وتدخل المنافسة على الرواتب والسلاح في صلب الخلاف.
مؤشراته: بيانات متعارضة باسم المقاومة التهامية؛ إعلان قوائم قيادة موازية؛ رفض تسليم المعسكرات أو الأسلحة؛ تأخر الرواتب؛ ومحاولات استقطاب الألوية فرادى من طارق أو المنطقة الرابعة أو التحالف.
السيناريو الثالث: تحويل القرار إلى مرحلة دمج داخل الدولة — مرغوب لكنه أقل ترجيحاً
يتدخل مجلس القيادة لتعديل القرار، فتُلحق القوة إدارياً ومالياً بوزارة الدفاع وعملياتياً بقيادة وطنية مشتركة، مع بقاء التحالف جهة دعم وإسناد. ويُعتمد تمثيل تهامي حقيقي في قيادتها، وتحدد مهمتها مؤقتاً ضمن خطة استعادة الساحل.
مؤشراته: صدور قرار جمهوري أو قرار جماعي؛ إعلان واضح من وزارة الدفاع وهيئة الأركان؛ إدراج الأفراد في الرقم العسكري والموازنة العامة؛ تحديد نطاق ومدة انتقالية؛ وتشكيل غرفة قيادة ساحلية واحدة تضم المقاومة والعمالقة ودرع الوطن ومحور تعز.
التقدير الأرجح
يرجح المركز أن القرار ثمرة تفاهم جرى في الرياض لإعادة تجميع القوة التهامية تحت إشراف سعودي مباشر، بعد أن كشفت هزيمة الساحل عجز البنية السابقة عن القتال كمنظومة واحدة. لكنه تفاهم لم يكتمل سياسياً أو قانونياً؛ لذلك تُرك نطاق العمل فارغاً، وغابت وزارة الدفاع، ولم يصدر غطاء رسمي من مجلس القيادة.
الأرجح أيضاً أن الرياض لا تسعى في هذه المرحلة إلى إنهاء طارق صالح، بل إلى تخفيض المخاطر المرتبطة بالاعتماد الكامل عليه: تحفظ له دوراً سياسياً ونفوذاً جزئياً، وتفصل في الوقت نفسه كتلة محلية يمكنها قيادتها وتمويلها مباشرة. إنه إنقاذ للقوة واحتواء لقائدها، لا استعادة كاملة لمشروعه.
عسكرياً، قد تنتج الخطوة قوة أكثر تماسكا من حيث الهوية المحلية وقناة التمويل. لكنها لن تعالج سبب الانهيار إذا بقيت إلى جوار جيوش أخرى لا داخل قيادة واحدة. لا يمكن استعادة الساحل بالطريقة التي أضاعته: أربع سلاسل أوامر على جبهة واحدة، ثم سلسلة خامسة بعد السقوط.
التوصيات
1. إيقاف النفاذ السيادي للقرار مؤقتاً إلى حين عرضه على مجلس القيادة ومراجعته قانونياً، من دون تعطيل إعادة تجميع المقاتلين أو رواتبهم.
2. إصدار قرار جمهوري واضح يحدد وضع القوة، ومهمتها، ونطاقها، ومدة استقلالها الانتقالية، وعلاقتها بوزارة الدفاع ورئاسة الأركان والمنطقة العسكرية الرابعة.
3. إنشاء قيادة عمليات ساحلية وطنية واحدة تحت وزارة الدفاع، تضم المقاومة التهامية والمقاومة الوطنية والعمالقة ودرع الوطن ووحدات محور تعز، ويكون للتحالف فيها ضباط ارتباط وإسناد لا سلطة سيادية بديلة.
4. فتح تحقيق مهني مستقل في انهيار الساحل يراجع أوامر الانسحاب والاتصالات والإمداد والاختراقات وتوزيع المسؤوليات. إعادة تسمية الوحدات قبل معرفة أسباب السقوط وصفة لتكراره.
5. إجراء تدقيق موحد للكشوف والسلاح والقيادات قبل فتح أي تجنيد جديد؛ حتى لا تتحول الاستقلالية المالية إلى ازدواج رواتب أو سوق ولاءات.
6. عقد تفاهم تهامي داخلي يضم زايد منصر وأحمد غانم وقيادات الألوية والحراك والسلطة المحلية، للفصل بين حق تهامة في التمثيل وبين حق أي قائد في احتكار اسمها.
7. ربط الدعم السعودي بمؤسسات الدولة عبر كشوف معتمدة ورقابة مالية يمنية، مع نشر الهيكل القيادي ومصادر التمويل. من يدفع الراتب يصنع سلسلة الأوامر، ولذلك يجب أن يمر المال عبر الدولة لا فوقها.
8. تحديد هدف عسكري قابل للقياس خلال ثلاثين يوماً: تثبيت خط دفاع، حماية النازحين، منع تقدم جديد، أو التحضير لاستعادة مواقع محددة. أما تشكيل قوة بلا جغرافيا ولا مهمة، فينتج بياناً لا جيشاً.
درجات اليقين
مؤكد بدرجة عالية: صدور القرار عن طارق صالح؛ تكوين القوة من فرقتين تابعتين للمقاومة الوطنية؛ استقلاليتها المعلنة؛ تبعيتها المباشرة للعمليات المشتركة؛ صدوره عقب وصول طارق إلى الرياض وبعد خسارة المخا.
مرجح بدرجة متوسطة: أن الخطوة منسقة مع القيادة السعودية وتهدف إلى بناء أداة محلية مباشرة للساحل؛ وأنها تقلص قيادة طارق المباشرة مع إبقاء نفوذه غير الرسمي.
غير محسوم: الجهة التي ستدفع الرواتب فعلياً؛ موقف مجلس القيادة ووزارة الدفاع؛ عدد الألوية النهائي؛ نطاق الانتشار؛ قبول أحمد غانم وسائر القيادات؛ وما إذا كانت القوة ستلحق لاحقاً بالمنطقة العسكرية الرابعة.
فرضية منخفضة اليقين: أن القرار يعكس صراعاً سعودياً ـ إماراتياً على وراثة قوات الساحل. التوقيت يسمح بطرحها، لكن الأدلة المتاحة لا تكفي لتبنيها.
الحكم النهائي
القوة لم تولد في 13 سبتمبر؛ الذي ولد هو سندها السياسي الجديد. وإذا ثبت أن الرياض ستدفع رواتبها وتحدد ميدانها، فإن القرار يكون أول إعلان عملي بأن إدارة ما بعد هزيمة الساحل ستجري عبر إعادة توزيع الجيوش لا عبر استعادة الجيش. وقد تنجح هذه الوصفة في جمع مقاتلين بسرعة، لكنها تبني انتصاراً مؤقتاً على هزيمة مؤجلة للدولة.
السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه مجلس القيادة الآن ليس: من يقود «المقاومة التهامية»؟ بل: لمن تنتمي البندقية اليمنية، ومن يملك قرار تحريكها؟ لأن دولة لا تستطيع الإجابة عن هذا السؤال لن تستعيد المخا، حتى لو أنشأت لكل مدينة فقدتها قوة تحمل اسمها.