تقارير

بين صمت الشوارع وضجيج الجبهات: قصص يمنية يكتبها النزيف والاغتراب.

 

تفكيك- تقارير

تصحو المدن اليمنية كل يوم على صمت مريب وغير معتاد في الشوارع؛ لا بسبب حلول السلام، بل بفعل تراجع حركة الأسواق، والجمود الاقتصادي، وتردي الأوضاع على الصعد كافة، وجملة من العوامل الناجمة عن حالة الصراع التي تعيشها اليمن لأكثر من عقد، انعكست سلباً على حياة الشباب وطموحاتهم؛ فالجيل الذي يحمل آمال المستقبل على أكتافه، يجد نفسه اليوم أمام أبواب مغلقة، وفرص عمل شبه معدومة، وحرمانٍ من أبسط الحقوق المشروعة.

فمن صنعاء إلى عدن، ومن الحواضر الكبرى إلى القرى النائية، تلاحق البطالة الشباب كظل لا يزول، وتفرض عليهم خيارات صعبة لم يستوعبوها ولم يتمنوها يوماً: إما الهجرة الخارجية، أو الانخراط في السلك العسكري، أو التوجه نحو العمل غير الرسمي، أو استسلامٌ مرير لانتظار غدٍ قد لا يأتي.

إرث قديم وواقع ضاعفته الحرب

هذه البطالة المستفحلة في أوساط شباب اليمن ليست وليدة الحرب المندلعة في مطلع سبتمبر 2014م فحسب؛ فقد كانت البلاد تعاني من معدلات بطالة مرتفعة حتى قبل اندلاع النزاع، لكن الحرب جاءت لتخلق واقعاً اقتصادياً مختلفاً تماماً، تسبب في انكماش حاد وخسائر تُقدّر بالمليارات، مما أثر بصورة مباشرة على توفر فرص العمل التي تُعد النتاج الطبيعي لأي نشاط اقتصادي مستقر.

ووفقاً لبيان صادر عن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عبر وكالة الأنباء الرسمية (سبأ)، أظهرت الإحصاءات الحكومية أن الاقتصاد الوطني انكمش بنحو 50%، فيما قفزت معدلات الفقر لتصل إلى نحو 80%.

وفي تصريحات سابقة لوزير الشؤون الاجتماعية والعمل اليمني، أكد أن الصراع المستمر منذ سنوات أثر بشدة على الأوضاع المعيشية، مما دفع بأكثر من 80% من السكان إلى ما دون خط الفقر، مضيفاً أن معدل البطالة بين الشباب بلغ ذروته ليصل إلى نحو 60%؛ وهي نسبة تفوق بكثير معدل البطالة المسجل قبل اندلاع الصراع والبالغ 14% فقط.

هذه التحولات الجوهرية في سوق العمل أفرزت ركوداً وتراجعاً حاداً قاد إلى تسريح العمالة في قطاعات عدة، لتغدو الأعمال المرتبطة بالحرب — سواء ب

الانخراط في المليشيات المسلحة أو القوات المسلحة الحكومية — الملاذَ الأخير للكثير من الشباب، بمن فيهم خريجو الجامعات.

من مقاعد الآداب إلى جبهات القتال

صالح الأسدي (29 عاماً)، نموذج صارخ لهذا التحول المأساوي؛ فهو حاصل على شهادة البكالوريوس في كلية الآداب، لكنه بعد رحلة بحث مضنية لم يجد عملاً في مجاله، فما كان منه إلا أن اضطر للالتحاق بالسلك العسكري لتأمين لقمة العيش.

يقول الأسدي بنبرة يملؤها الإحباط: “أوضاع البلاد فرضت علينا خيارات قاسية، ويبقى السلك العسكري خياراً أفضل من العمالة الهامشية أو مرارة الهجرة والاغتراب بعيداً عن الأهل”. ويستطرد: “فعلاً لم يخطر ببالي يوماً أنني سأنتقل من قاعات كلية الآداب إلى جبهات القتال، لكن الحياة العسكرية تبقى في نظرنا أفضل من الفراغ، وانتظار وظائف مرموقة قد لا تأتي أبداً”.

ويكشف الأسدي أن هذا الملاذ القاسي ليس متاحاً للجميع كما يظن البعض: “السلك العسكري ليس متاحاً لمن يرغب في أي وقت يريد؛ فلولا أحد زملاء الدراسة الثانوية الذي التحق بالسلك العسكري مبكراً، وأصبح ضابطاً يتمتع بعلاقات واسعة في الوسط العسكري، لما تمكنت من التجنيد بتلك السهولة”

من المؤسسات التنموية إلى حقائب الاغتراب

ولا تتوقف المأساة عند حدود الجبهات، بل تمتد لتطال الكفاءات العاملة في المجال الإنساني والتنموي. محمد علي (28 عاماً) يجسد خياراً قسرياً آخر؛ فقد أجبره فقدان وظيفته في إحدى المؤسسات التنموية الخيرية على اتخاذ قرار مؤلم للغاية.

فبعد أشهر قضاها محمد في البحث عن وظيفة أخرى دون جدوى، اضطر لبيع قطعة أرض صغيرة كان قد تركها له والده المتوفى، ليتمكن من توفير تكاليف المعاملات والسفر إلى المملكة العربية السعودية.

يقول محمد بمرارة تختصر مأساة جيله: “أصعب ما في الأمر هو ترك عائلتي ووطني خلفي، لكن البقاء بلا دخل لم يكن خياراً ممكناً لاستمرار الحياة”.

قراءة اقتصادية: شلل المحركات وانكماش القطاعات

لتفكيك هذا المشهد المعقد، يضع رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، مصطفى نصر، في تصريح خاص لـ “موقع تفكيك” الإخباري، يده على مكامن الخلل الهيكلي في سوق العمل اليمني.

ويرى نصر أن القطاعين الحكومي والخاص كانا تاريخياً المحرك الأبرز في إنتاج فرص العمل، غير أنه يبدي أسفه الشديد من أنه “خلال فترة ما بعد الحرب توقفت عملية التوظيف الرسمي بشكل كامل، باستثناء التجنيد العسكري”. وتابع نصر توضيحه لقضية التجنيد العسكري قائلاً إنه “بدوره نظام مختل، يعتمد كلياً على مستوى تمويل السلطة التي تقوم به”.

ولم يكن القطاع الخاص بأفضل حال، إذ تسببت الظروف الاقتصادية الصعبة في تقليص قدراته التشغيلية بشكل حاد. وأوضح مصطفى نصر أن القطاع الخاص “ظل محافظاً إلى حد ما على العمالة الموجودة لديه رغم كونه تأثر بكل تأكيد وتم تسريح بعض العمالة منه، لكنه ظل في الحدود الدنيا، وكانت قدرته على استيعاب عمالة جديدة ضعيفة للغاية”.

 

وأشار رئيس المركز إلى أن الملاذ الأكبر الذي اتجهت له القوى الشابة عقب الحرب كان القطاع الثالث (قطاع المجتمع المدني)، حيث عمل الآلاف من الشباب والشابات فيه، مستدركاً بأسف: “لكن مؤخراً الكثير من هؤلاء خسروا أعمالهم؛ بسبب تراجع الدعم الدولي ودعم التنمية في اليمن بصورة كبيرة خلال العامين الماضيين”.

 

أفق مسدود ومؤشرات قاتمة

 

ويختتم الخبير الاقتصادي مصطفى نصر حديثه لـ “موقع تفكيك” بنظرة تحليلية لآفاق المستقبل، مؤكداً أن “المؤشرات السلبية ما زالت تخيم على الواقع، في ظل حالة العجز الشديدة في الإيرادات لدى الحكومة اليمنية، وعدم قدرتها على دفع المرتبات وتوفير الخدمات الأساسية”.

ويشدد نصر على أن هذا العجز الشامل يمنع الحكومة من إصلاح البنية التحتية وخلق بيئة جاذبة للاستثمار، تكون كفيلة باستقطاب رؤوس أموال تشكل دافعاً حقيقياً لتوفير فرص عمل جديدة، وتحريك عجلة نمو اقتصادي ملموس يخرج البلاد وشبابها من هذه الدائرة المغلقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى