ملفات أمنية

جمهورية الخوف: كيف تحولت الضمانات التشريعية إلى مقاصل للصحفيين في اليمن؟

جمهورية الخوف: كيف تحولت الضمانات التشريعية إلى مقاصل للصحفيين في اليمن
-تفـكـ ـيك

​من نافذة عام 1990، أطلقت اليمن وعوداً تشريعية بالغة الأناقة؛ قانون الصحافة والمطبوعات رقم 25، الذي صيغ في نشوة الهامش الديمقراطي المرافق للوحدة، كُتب بمداد من التفاؤل والضمانات التي جعلت من الصحفي يوماً ما حاملاً لحصانة الكلمة وحق الوصول إلى الحقيقة…
لكن هذا النص الأنيق، المنسي في أدراج التاريخ، تحول اليوم إلى مجرد شاهد زور في محكمة الدم التي تُعقد يومياً في الشوارع والمدن اليمنية.
ولم تكن الفاجعة الأخيرة التي هزت الوسط الصحفي باعتداء آثم أودى بحياة الزميل محمد عيضة، مراسل قناتي “العربية” و”الحدث” بعبوة ناسفة في قلب مدينة المكلا، إلا تجسيداً صارخاً لهذا الواقع المرير.
إن هذه الجريمة تعيد فتح السؤال الحارق: لماذا بات الصحفيون مستهدفين بالاغتيالات والتصفيات الجسدية حتى في المحافظات المحررة التي يُفترض أنها تنعم بظل الدولة وسيادة القانون؟
​الإجابة تكمن في طبيعة البيئة الهشة داخل هذه المناطق؛ حيث تتداخل الصراعات البينية، وتتعدد الولاءات والأجهزة الأمنية والعسكرية، مما يخلق ثغرات أمنية واسعة تستغلها الخلايا الإرهابية والجماعات المستفيدة من الفوضى. في هذه المساحات، يتحول الصحفي المستقل أو المراسل الميداني إلى هدف سهل، لأن غياب التنسيق الأمني الموحد، وضغف سلطة المؤسسات القضائية المركزية، يوفر بيئة مفلسة للمجرمين لارتكاب فظاعاتهم والتواري خلف ركام الانفجارات والاتهامات المتبادلة. إن المفارقة الصادمة لا تكمن فقط في أن البيئة التي يعمل فيها الصحفي اليمني باتت تصنف كواحدة من أخطر بؤر الموت، بل في أن المنظومة التشريعية نفسها باتت تُعطل عمداً ليحل محلها قانون “الأمر الواقع” و”المجهول” الذي ينهش جسد الحريات.
​وحين نطالع نصوص قانون 1990، نجد أن المادة (4) تؤكد صراحة أن “الصحافة حرة مستقلة وتمارس رسالتها بحرية في خدمة المجتمع”، كما منحت المادة (14) الصحفي الحق في الحصول على المعلومات وحماية مصادره. ومن وجهة نظر قانونية رصينة، عززتها الدراسة الفقهية المنشورة في مجلة البحوث والدراسات القضائية والقانونية، فإن هذا القانون وضع فلسفة تشريعية واضحة تمنع حبس الصحفي احتياطياً في قضايا النشر، وتجعل المساءلة مقتصرة على العقوبات المدنية في نطاق ضيق.
غير أن الواقع العملي في مختلف الجغرافيا اليمنية أسقط هذا الهيكل النظري بالضربة القاضية.
بناءً على ما فككته تلك الدراسة المحكمة، فإن العبارات الفضفاضة والمصطلحات المطاطية التي حشا بها المشرّع نصوص القانون في فصل “المحظورات” (المادة 103)، تحولت اليوم إلى سكاكين قانونية يُعاد سنّها في غرف التحقيق والمحاكمات الاستثنائية.
​وتكشف قراءة مستفيضة في بنود هذه الدراسة؛ أن المشرّع اليمني وضع ثلاثة خطوط حمراء تنظيمية تمثل محظورات النشر… أولها التعدي على المعتقدات الدينية والمقدسات الإسلامية، حيث لم تكتفِ السلطات بالمساءلة التأديبية بل مَدّت الجسور نحو قانون الجرائم والعقوبات (المادتين 194 و259) لتصل العقوبة إلى الحبس أو الإعدام في حالات الردة. أما المحظور الثاني فيرتبط بحظر إثارة النعرات القبلية، الطائفية، أو المناطقية التي تبث روح الشقاق وتكدر السلم العام، وهو ما يشترط الفقه لتجريمه توفر ركن علنية التحريض والقصد الجنائي. في حين يتجلى المحظور الثالث في نشر الأخبار والبيانات الكاذبة بهدف إحداث بلبلة تؤثر على الوضع الاقتصادي أو العام. هذه المحظورات الثنائية (الركن المادي والمعنوي) التي فصّلتها الدراسة، باتت تُساق اليوم لجرّ الصحفيين إلى المحاكم الجزائية المتخصصة وعتبات قوانين مكافحة الإرهاب، وكأن كشف الحقيقة ونقل الواقع بات خطراً وجودياً يهدد كيان السلطات بدلاً من كونه أداة للنقد البنّاء.
​إن مواجهة هذا الانحدار الحقوقي والنزيف المعرفي لا يمكن أن تظل حبيسة بيانات التنديد الشرفية الصادرة عن المنظمات الدولية، بل تتطلب صياغة استراتيجية إنقاذ وطنية ملزمة تتوزع فيها الأدوار بشكل تكاملي على السلطات الأربع؛ حيث يقع على عاتق السلطة التنفيذية الواجب الميداني المباشر لتأمين البيئة المهنية عبر توحيد القرار الأمني تحت مظلة وزارة الداخلية ببروتوكول ملزم لحماية المؤسسات الإعلامية، وإنهاء حالة تعدد الأجهزة العسكرية التي تستغل الانقسام لتصفية الحسابات ضد الأقلام الحرة، مع إلزام النيابة العامة ووزارة الداخلية بفتح تحقيقات فورية وعلنية في كافة جرائم الاغتيالات والاعتداءات وعلى رأسها قضية الزميل الراحل محمد عيضة ونشر التقارير الدورية لكسر ثقافة الإفلات من العقاب. وتتكامل هذه الجهود مع دور السلطة التشريعية التي تفرض الأبحاث القانونية اليمنية تدخلها العاجل لتنقية القوانين النافذة من الثغرات، وتعديل المادة (103) من قانون الصحافة والمطبوعات لإزالة العبارات المطاطية التي تُستغل كذريعة قانونية لتكميم الأفواه وتلفيق تهم الإرهاب وتكدير السلم العام للصحفيين المستقلين، وإصدار تشريع مكمل يجرّم إغلاق أو مداهمة أي مؤسسة إعلامية دون حكم قضائي بات ومسبب.
​وفي ذات السياق، يبرز حجر الزاوية في تفعيل الحماية من خلال كف يد المحاكم الاستثنائية، حيث تلتزم السلطة القضائية، تفعيلاً لروح ومبادئ القانون، بحظر وإيقاف أي محاكمات للصحفيين أمام المحاكم الجزائية المتخصصة أو قوانين مكافحة الإرهاب في قضايا الرأي والنشر، وإعادة الاعتبار كاملاً لولاية القضاء المدني الطبيعي، مع تفعيل دور التفتيش القضائي لمحاسبة أي قاضٍ أو وكيل نيابة يتواطأ في إصدار أوامر توقيف احتياطي كيدية ضد حملة الأقلام.
وأخيراً، يأتي دور السلطة الرابعة ممثلة بالصحافة والكيانات النقابية لتدشين تحالف وطني عريض يجمع نقابة الصحفيين بالمنظمات الحقوقية لإنشاء صندوق التضامن والإسناد القانوني والاقتصادي المستقل، والذي يتولى توفير فرق دفاع قانونية محترفة لمرافقة الصحفيين في أي استدعاء أمني، وتقديم دعم اقتصادي وإعانات معيشية للصحفيين المستقلين لحمايتهم من الابتزاز المالي والتبعية السياسية القسرية، مع الالتزام الصارم بمواثيق الشرف الإعلامي ورفض الانجرار وراء الاستقطاب السياسي الحاد.
ف​الخطورة الحقيقية في هذا المشهد تتجاوز الرصاصة والعبوة الناسفة المجهولة التي تفجر سيارات المراسلين، لتصل إلى بنية الاستقطاب الحاد التي تفرضها أطراف النزاع.
لقد جرى تمزيق الكيانات النقابية والضامنة بشكل ممنهج، وترك الصحفي مكشوفاً، بلا تأمين قانوني، ولا حماية مهنية، ولا حتى سند اقتصادي يحميه من الوقوع في فخ التبعية.
هذا الفراغ المؤسسي المخيف جعل من الصمت أو الانحياز الأعمى شرطين أساسيين للبقاء على قيد الحياة. وعندما يتحول الصمت إلى آلية دفاعية وحيدة للصحفي، فإننا لا نتحدث عن أزمة حريات عابرة، بل عن موت سريري للدولة وأمنها، حيث تُغتال الحقيقة بدم بارد مرتين:
مرة عندما تُزرع العبوة الناسفة أسفل مقعد السائق، ومرة عندما يصمت القانون وتُقيد الجريمة ضد مجهول، ليعاد تدوير الخوف في عروق من تبقى من حملة الأقلام.

✒️ بشير الجُـمَيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى