- سيد نفسه من لا سيد له
- نحن أحرار بمقدار ما يكون غيرنا أحرارا
- ليس من المنطق أن تتباهى بالحرية و أنت مكبل بقيود المنطق
- حيث تكون الحرية يكون الوطن
- ليس من المنطق أن تتباهى بالحرية و أنت مكبل بقيود المنطق
- إذا تكلمت بالكلمة ملكتك وإذا لم تتكلم بها ملكتها
هل غدت “معركة الصور” في عدن فصلاً جديداً من حرب السيطرة على الفضاء العام؟ …
قراءة في دلالات تظاهرات اليوم وإطلاق الرصاص بساحة العروض.
-تفـكـ ـيـ ـك
في كل مرة تظن فيها العاصمة المؤقتة عدن أنها تلمس حافة الاستقرار الأمني، تعود تفاصيل الميدان لتثبت أن أزمة النفوذ تكمن في الرموز بقدر ما تكمن في السيطرة العسكرية الفعّالة. وكما أشرنا في تحليلاتنا السابقة حول طبيعة الصراع الصامت في المدينة وتداخل الخطوط بين القوة الصلبة وصناعة الوعي البصري، فإن الاستعصاء السياسي غالباً ما يبحث عن تفاصيل صغيرة لينفجر من خلالها…
وجاءت تظاهرات اليوم في ساحة العروض بمديرية خورمكسر، لتؤكد تلك القراءة التحليلية؛ حيث لم يكن الاحتكاك الميداني الحاد الذي وثقته عدسات الأستاذ حسام الراعي. في مقاطع الفيديو مجرد حدث عابر، بل تجلٍّ حي وعملي لأزمة الثقة العميقة بين أطراف الإدارة المشتركة، وصراع ممتد يتجاوز السيطرة على الثكنات العسكرية ليمتد إلى فرض الهيمنة على رمزية الساحات العامة.
إن المفارقة السياسية الأكثر إثارة للقلق في هذا المشهد تكمن في طبيعة العرض الذي قدمته القوات الأمنية المنتشرة لتفريق أو احتواء تظاهرات اليوم؛ إذ يذكر الزميل أن تلك القوات اشترطت إنزال وتفريغ صورة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، المرفوعة فوق المنصة الرئيسية للساحة، مقابل انسحابها العسكري الكامل والواضح.
هذا العرض، في جوهره، يرفع الغطاء عن حقيقة التحركات الميدانية؛ فهو يثبت أن حضور الآلة العسكرية في هذه اللحظة لم يكن يهدف إلى إعادة ترتيب تموضعات استراتيجية أو فرض واقع أمني مستدام، بل كان يبحث عن “انتصار رمزي” سريع، يُراد منه كسر هيبة الطرف الآخر في معقله الرمزي الأبرز (ساحة العروض)، وإيصال رسالة سياسية مفادها أن الفضاء العام لم يعد حكراً على سردية سياسية واحدة.
وفي مقابل هذا الاستعصاء السياسي حول الرمزية، دخل الميدان في طور أخطر من التصعيد المباشر؛ حيث لم يتوقف الأمر عند حدود التفاوض الكلامي، بل تجاوزه إلى ممارسات ضغط خشنة تجسدت في إطلاق الرصاص المستمر الذي سُمِع في أرجاء الساحة ومحيطها.
هذا الرصاص المستمر لا يمكن قراءته كمجرد طلقات تحذيرية عشوائية، بل هو أداة لفرض الأمر الواقع بقوة السلاح، ومحاولة لترهيب الحشود وثنيها عن موقفها، مما ينقل المواجهة من “حرب نفسية رمزية” إلى حافة الصدام العسكري المباشر الذي يهدد بانفجار الموقف برمته في المدينة.
ومع ذلك، جاء الرد الشعبي من قِبل المتظاهرين المحتشدين برفض هذه المقايضة والوقوف في وجه هذه الضغوط ليعيد تعريف المعركة في وعي الشارع.
بالنسبة للجماهير التي خرجت في تظاهرات اليوم، لم تكن الصورة مجرد إطار مادي لزعيم سياسي، بل هي تمثيل مرئي للمشروع السياسي بأكمله، والتنازل عنها تحت وطأة إطلاق الرصاص وتهديد فوهات المصفحات كان سيعني – بالضرورة – اعترافاً ضمنياً بانكسار الإرادة الشعبية أمام فائض القوة العسكرية.
هذا الاستعصاء الميداني الذي تبعته أصوات الطلقات النارية يعكس حالة من “المعادلة الصفرية” التي باتت تحكم علاقة الأطراف المتنافسة على الأرض؛ حيث يُنظر إلى أي مرونة أو تنازل تكتيكي على أنه هزيمة وجودية لا يمكن القبول بها.
تُظهر المقاطع الأخيرة أن الموقف قد حُسِم عملياً في الميدان بإنزال الصورة وتفكيك الإطار القماشي الكبير لعيدروس الزبيدي من أعلى المنصة الرئيسية، ليعقب ذلك محاولات من بعض الشبان والمناصرين لإعادة تركيبها وصعود المنصة، واجهتها القوات الأمنية بالمنع الصارم وانتشار المدرعات حولها لمنع أي تغيير في الوضع الجديد.
تحليلياً، يشير هذا الحسم البصري إلى أن الجهة العسكرية التي أدارت العملية كانت تملك توجيهات قطعية لا رجعة فيها لإنجاز هذه “المهمة الرمزية”، معتبرة أن بقاء الصورة يمثل امتداداً لنمط من السيطرة الأحادية التي تسعى أطراف أخرى في السلطة إلى كسرها أو موازنتها.
ورغم المقاومة الشعبية اللفظية والهتافات الغاضبة، فإن تفاوت القوة المادية وفرض طوق من المدرعات سمح بإنفاذ القرار، مما يعكس بوضوح اتساع الفجوة وتعمق أزمة الثقة بين القوة الصلبة على الأرض وبين التوجهات الشعبية لقطاع عريض من سكان المدينة.
إن الغوص في الأبعاد السياسية لما حدث في ساحة العروض اليوم يتجاوز حدود نزع قطعة قماش إلى ملامسة معضلة الشراكة السياسية الهشة، حيث تشير هذه الصدامات الميدانية بوضوح إلى خطورة تفخيخ الفضاء العام وتحويل الساحات السلمية إلى بؤر صراع حول الهوية والرموز، وهو ما يتطلب من الأطراف كافة تحييد السلاح والوعي البصري عن الصدامات المباشرة والإدراك بأن الشرعية الحقيقية تُكتسب بتقديم الخدمات للمواطنين وتثبيت الاستقرار لا بفرض خيارات شكلية بقوة السلاح.
ولتجاوز هذا الانسداد، يبرز مخرج عاجل يستدعي تفعيل غرف العمليات المشتركة وإخضاع كافة التشكيلات الأمنية والعسكرية في عدن لقيادة موحدة تمنع التحركات الأحادية المستفزة وتضمن عدم اللجوء إلى إطلاق الرصاص في مواجهة التجمعات، بالتوازي مع صياغة ميثاق شرف سياسي بروتوكولي ينظم رفع الصور والشعارات في المنشآت والساحات العامة بما يحفظ طابعها المشترك، فضلاً عن ضرورة نقل هذه الملفات الحساسة إلى أروقة الحوار السياسي المباشر بين صناع القرار بدلاً من تركها لتقديرات القيادات الميدانية التي قد تدفع المدينة برمتها نحو مغامرة أمنية غير محسوبة النتائج بسبب تداعيات إطلاق الرصاص المستمر.
عرض أقل



